المحتوى الرقمي بين سطوة الخوارزمية وغياب الوعي
إيهاب الأمين يكتب..
في كل صباح يفتح ملايين السودانيين هواتفهم ليجدوا أنفسهم أمام سيل جارف من المقاطع والصور والمنشورات قليل منها يحمل فكراً أو شعراً أو موسيقى تليق بذاكرة هذا الشعب وتاريخه الإبداعي الممتد ولكن أكثرها محتوى فارغ لا يقدم سوى ضجيج عابر يستهدف إثارة الغريزة أو استفزاز المشاعر أو اختزال الإنسان في صورة مشوهة ، فتيات عاريات خليعات يمارسن الفجور المعلن ويرددن أسوأ الألفاظ مما لا يتقبله المجتمع السوداني، وأشباه الرجال يعلنون عن انحرافاتهم أيضاً وكيف فارقوا درب الرجولة وصاروا بين بين لا نعرف إن كانوا رجالاً أم نساء، وخلاف هذا الابتذال نرى الفضائح و(دق الصفائح) وهتك اعراض سترها الله وفضحها هؤلاء، وبين هذا وذاك يقف المتلقي حائراً لا لأنه عاجز عن التمييز بل لأن المنظومة الرقمية التي يتعامل معها صممت أصلاً لتكافئ الصدمة وتدفع بالسطحي إلى الواجهة وتدفئ كل ما هو عميق في قاع الاهتمام.
إن أول ما يجب أن نفهمه ونحن نتأمل هذا المشهد هو أن المنصات الرقمية ليست مساحة محايدة تعرض للناس ما يختارون بل هي آلات ضخمة تحكمها خوارزميات مهمتها الأولى إبقاء المستخدم أطول مدة ممكنة أمام الشاشة وهذه الخوارزميات لا تفرق بين قصيدة لشاعر مرهف ومقطع مبتذل بل تقيس التفاعل وحده، وكلما كان المحتوى صادماً أو مستفزاً أو خارجاً عن المألوف زادت احتمالات انتشاره لأن الصدمة توقظ الانتباه أسرع مما توقظه الحكمة، وهكذا نرى مبدعاً حقيقياً أمضى سنوات عمره في صقل صوته أو قلمه ونشر فكره يجد نفسه في زاوية معتمة بينما يحصد المحتوى الفارغ ملايين المشاهدات في ساعات ليس لأن الجمهور يفضله بالضرورة بل لأن الآلة دفعته إلى كل شاشة دفعاً، هذا بالنسبة للمشاهدات ولكن الإعجابات والتعليقات تجعلننا نشكك في وعي شعبنا الذي كنا نظنه معلم الشعوب في القيم والفضائل وهذا يعني أن المتلقي ليس بريئاً من هذا الخلل فالوعي النقدي مهارة تبنى ولا تولد، حين ينشأ جيل دون أن يتعلم كيف يسأل عن مصدر ما يرى ودون أن يدرب على التفرقة بين المحتوى الذي يخاطب عقله والمحتوى الذي يخاطب انفعاله اللحظي يصبح من السهل أن تستهلك ساعاته في متابعة ما لا ينفعه وهذا ينم عن غباء وجهالة وغياب الوعي إضافة إلى غياب التدريب المنهجي على التفكير النقدي منذ المقاعد الأولى في المدرسة. وهنا تبرز مسؤولية الأسرة والمؤسسات التعليمية فالأسرة التي تترك الطفل أمام الشاشة دون حوار ودون سؤال ودون مشاركة والمدرسة التي لا تدرس طلابها كيف يحللون خطاباً إعلامياً أو كيف يميزون بين معلومة ورأي وبين إبداع واستغلال كلاهما يسهم في صناعة متلقٍ سهل الانقياد، ولعل من أكثر ما يؤلم المراقب أن يرى طاقات إبداعية حقيقية تعاني التهميش الرقمي فكم من شاعر سوداني يكتب بلغة تلامس الوجدان ولا يتابعه سوى مئات وكم من مطرب يحمل في صوته تاريخاً من المقامات والإحساس والغناء الأصيل ولا يجد من ينشر مقطعاً من غنائه وكم من ممثل أو فنان تشكيلي أو باحث جاد يبذل جهده في صمت ثم يكتشف أن ما أنتجه لم يتجاوز دائرة ضيقة من المهتمين، هؤلاء ليسوا أقل موهبة مما يقدم لهم لكنهم يعملون خارج منطق الخوارزمية التي تكافئ السرعة والصدمة والإثارة ولا تكافئ العمق والتأمل والجمال فيصطدمون بغباء شعب جاهل رغم الألم الذي ينتابنا جراء مثل هذه الأوصاف على شعب كان معلماً للشعوب ومن هنا فإن دعم هؤلاء المبدعين ليس رفاهية ثقافية بل هو ضرورة لحماية الذاكرة الجماعية من أن تختزل في صورة واحدة مسطحة لا تعبر عن تنوع هذا المجتمع وثرائه.
وفي المقابل لا يمكننا إنكار أن هناك محتوى يسيء إلى صورة الإنسان السوداني سواء أكان ذلك من خلال اختزاله في مشاهد هزلية تجعله يبدو كائناً بلا وعي ولا كرامة أو من خلال تقديم نماذج مشوهة عنه كأن يظهر في صورة قرد هذا النوع من المحتوى سواء أنتجه سودانيون أنفسهم أو أنتجه آخرون عن السودان يستحق أن يواجه لا بالمنع والغضب فحسب بل بإنتاج بديل قوي يظهر الوجه الحقيقي لهذا الشعب صاحب العلم والأدب والموسيقى والتاريخ والنضال والكرم، فالرد على صورة مشوهة (كأن يجعلون الشخص السوداني قرداً) لا يكون الرد بالصراخ والعويل والردحي بل برسم صورة أصدق وأجمل وأكثر إقناعاً.
إن المجتمع السوداني كأي مجتمع حي فيه تنوع وفيه تناقضات وفيه من يجتهد ومن يخطئ لكنا يجب أن ننتبه حتى لا يكون السيئ هو الغالب كما هو حادث الآن وما نحتاجه ليس محاكم تفتيش رقمية تصدر أحكاماً على الأفراد بل بيئة ثقافية وتعليمية تجعل الاختيار الواعي ممكناً وتجعل المبدع الجاد قادراً على الوصول إلى جمهوره دون أن يضطر إلى مجاراة منطق الإثارة. نحن بحاجة إلى مبادرات تدعم المحتوى الهادف وإلى منصات سودانية تبرز ما في هذا البلد من جمال وإلى إعلام مسؤول لا يلهث وراء الفضائح بل يفتح نوافذ على الفكر والفن والتاريخ.
وفي النهاية يبقى السؤال مطروحاً أمام كل واحد منا وهو يقلب هاتفه .. سؤال بسيط لكنه عميق هل ما أشاهده الآن يضيف إلى عقلي شيئاً وهل يحترم إنسانيتي وإنسانية من يظهر فيه؟ هل يمثلني أم يمثل صورة عني أرفضها؟ إذا استطعنا أن نطرح هذا السؤال على أنفسنا بصدق وأن نربي أبناءنا على طرحه فإننا نخطو الخطوة الأولى نحو استعادة ذائقتنا من قبضة الخوارزميات ومن انتشار السخف والمحتويات الرديئة التي حولت المنحرفين إلى نجوم وبصدقنا مع أنفسنا نستطيع أن نمضي نحو أن يكون حضورنا الرقمي انعكاساً حقيقياً لما نحن عليه شعباً عريقاً في ثقافته عميقاً في وجدانه جديراً بأن يظهر كما هو لا كما يراد له أن يبدو.
