أطفال السودان بين قنوات لا تربطهم بالواقع ومكتبات مفقودة

 إيهاب الأمين يكتب..

نحن أجيال تربت على القراءة منذ الصغر، بدأ معظمنا مع المكتبة الخضراء للأطفال ثم كبرنا قليلاً وانتقلنا إلى قراءة الألغاز وصارت بيننا وبين المغامرين الخمسة صداقة حقيقية بناها الورق والحبر والخيال وبعدها مارسنا الكتابة ونحن نراسل مجلة ماجد وننتظر أن نرى أسماءنا مطبوعة على صفحاتها ثم جاء زمن الروايات فطالعنا كتب نجيب محفوظ وجورجي زيدان وإحسان عبد القدوس ويوسف السباعي وغيرهم، وانفتحنا على الأدب العالمي بدءاً من أجاثا كريستي وليس انتهاء بفيكتور هيجو وغابريال غارسيا ماركيز إلى أن صرنا نقرأ كل ما يفيد حسب اهتماماتنا وميولنا، وكان للإذاعة مكان خاص في قلوبنا نتابع الأعمال الدرامية ونتعرف على أصوات المغنين والممثلين والمذيعين، ولم يكن التلفزيون يجتذبنا كثيرا، وكنت شخصياً أسعد بنشرات الأخبار ليس من أجل الأخبار ذاتها بل من أجل المذيعين والممثلين الذين تعرفت عليهم وأحببتهم من خلال صوت الإذاعة، فما أروع أن تجمعك شاشة التلفزيون بمن تحب وقد عرفته أولا بصوته.
الآن تغيرت الأوضاع تماماً وغابت القراءة من حياة أطفالنا وصار الملاذ الوحيد لهم فضائيات مخصصة للأطفال لكنها في معظمها لا تناسب الطفل السوداني ولا تفيد الطفل عموماً وقد لاحظت من خلال عملي خارج السودان لسنوات أن الأطفال لم يعودوا يفرقون بين الحقيقي والخيالي، فالرجل العنكبوت والرجل الخفاش والزومبي يتعاملون معها وكأنها حقائق واقعية، وهي قنوات لا علاقة لها بواقع أطفالنا وربما تكون متدرجة فيما تقدمه حسب عمر الطفل لكن السؤال الذي يفرض نفسه هل يعرف الآباء والأمهات هذا التدرج المطلوب لينتقوا لأبنائهم ما يتناسب مع أعمارهم.
والأخطر من هذه القنوات وجود أطفالنا على مواقع التواصل الاجتماعي ومشاهدة ما تقدمه تطبيقات مثل تيك توك، وهو محتوى لا يمكن أن يناسب أطفالنا على الإطلاق والأهم والأخطر من كل ذلك هو عدم تعليم الأطفال قراءة الكتب خارج نطاق الكتب المدرسية، وتكوين أي مبدع أو شخص مميز في أي مجال لا يتم دون قراءة، والقراءة يصعب تعلمها والتعود عليها ومحبتها إن لم تأتِ بالتدرج منذ الصغر.
وتجاربنا مع ما قدمته أجهزتنا الإعلامية للأطفال ليست مشجعة، حتى التجربة القيمة والمميزة في قناة سنابل ومجهودات المبدع الأستاذ معتصم الجعيلي كنت ألاحظ أن الأطفال لا يشاهدونها ويفضلون عليها القنوات الأجنبية بينما نجحت قناة سنابل في اجتذاب كبار السن وبالذات ربات البيوت وكنت أرى خالاتي ونساء قريتنا وهن يتنقلن ما بين قناة المدائح وقناة سنابل، والشيء نفسه حدث مع أكثر البرامج الإذاعية نجاحاً وهو برنامج ركن الأطفال الذي ارتبط عندنا بأسماء مثل الأساتذة الفكي عبد الرحمن يرحمه الله ومعتصم فضل ويوسف عبد القادر لكني لا أذكر أننا كنا نتابعه ونحن أطفال ولا أذكر أن أطفالاً كانوا يتابعونه وقد كان برنامجاً محبوباً نعم لكن كان يتابعه الكبار وليس صغار السن، وأنا شخصياً تابعته بحب شديد وأنا كبير في عمري وأكاد أكون قد تجاوزت سن الطفولة.
أتمنى أن تتكرر تجربة سنابل مع الاستعانة بمختصين في علم نفس الطفل لمعرفة ما يحبه الأطفال وما يجتذبهم حقاً لنمنحهم ما يناسبهم بمزج رسالة التعليم مع ما يحبونه ويستمتعون به، ولابد للمدارس من تخصيص حصص لقراءة الكتب غير المدرسية رغم ما يبدو من صعوبة هذا الأمر بسبب تكلفته المادية لكن على الأقل ربما تستطيع بعض الأسر توفير مكتبة صغيرة لأطفالها لتعلم القراءة منذ الصغر، وبعد ذلك يمكن تبادل الكتب بين الأسر ليقرأ الأطفال أعدادا كبيرة منها دون تحمل أعباء مالية كبيرة.
إن ما أخشاه حقاً هو أن نفقد جيلاً كاملاً لم يعرف متعة الإمساك بكتاب ولم يعرف صداقة شخصية ورقية، ولم يعرف ذلك الشعور الساحر حين تنهي رواية وتغلق صفحتها الأخيرة فتشعر أنك عشت حياة أخرى، هذا الشعور الذي صنعنا ومنحنا تكويناً منحنا على الأقل واقعية في الحياة كما أعطانا خيالاً نستطيع به أن ننتج إبداعاً، وإذا لم نتدارك الأمر اليوم فسنستيقظ غداً على جيل لا يقرأ ولا يكتب ولا يتخيل، جيل يعرف الرجل العنكبوت والزومبي ولا يعرف تأريخ بلاده، ويتابع تيك توك ولا يعرف خليل فرح ولا يستمع إلى محمد وردي، وحينها لن ينفع الندم.