عودة ظاهرة النينيو ..هل السودان مستعد لصدمة المناخ القادمة؟

 المهندس عبدالرحمن محمد زين يكتب ..

عضو جمعية مهندسي البيئة بالمملكة المتحدة (SEE)

تشهد الساحة المناخية العالمية عودة ظاهرة النينيو (El Niño)، وهي إحدى أكثر الظواهر المناخية تأثيراً على أنظمة الطقس في العالم، الأمر الذي أعاد اهتمام العلماء وصناع القرار والمنظمات الإنسانية بهذه الظاهرة الطبيعية. وتشير التوقعات المناخية الموسمية إلى أن ظروف النينيو يُرجح أن تزداد قوة خلال النصف الثاني من عام 2026، بما قد يؤثر في أنماط الطقس في العديد من مناطق العالم.

أما بالنسبة للسودان، الذي يواجه بالفعل تحديات الصراع، والضغوط الاقتصادية، وتزايد الهشاشة المناخية، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت التقلبات المناخية ستؤثر عليه، بل إلى أي مدى أصبح مستعداً للحد من آثارها.

النينيو ومناخ السودان

النينيو ظاهرة مناخية طبيعية تتكرر كل سنتين إلى سبع سنوات، وتستمر عادة ما بين تسعة واثني عشر شهراً. وتنشأ نتيجة ارتفاع غير اعتيادي في درجات حرارة سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي، مما يؤدي إلى اضطراب أنماط دوران الغلاف الجوي والطقس على مستوى العالم.

وتختلف آثارها من منطقة إلى أخرى؛ ففي حين تشهد بعض الدول أمطاراً غزيرة وفيضانات، تتعرض مناطق أخرى للجفاف، وموجات حر طويلة، وتراجع الإنتاج الزراعي.

وبحسب التوقعات الموسمية الصادرة عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO)، فقد تشهد أجزاء من منطقة القرن الأفريقي، بما في ذلك السودان، احتمالاً متزايداً لهطول أمطار أقل من المعدلات الطبيعية خلال موسم الأمطار من يونيو إلى سبتمبر 2026، وهو الموسم الذي يوفر عادةً أكثر من 80% من إجمالي الأمطار السنوية في السودان. كما تشير التوقعات إلى ظروف مشابهة في جنوب السودان وإثيوبيا وشمال أوغندا.

تزايد المخاطر على الأمن الغذائي والمائي

يعتمد القطاع الزراعي في السودان بصورة كبيرة على الأمطار الموسمية، ولذلك فإن أي انخفاض ملحوظ في كميات الأمطار قد يؤدي إلى ضعف المحاصيل الزراعية، وتدهور المراعي، ونفوق الماشية، وزيادة الضغوط على الموارد المائية المحدودة أصلاً.

وتأتي هذه المخاطر المناخية في وقت يواجه فيه السودان واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم.

وقد صنفت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) السودان ضمن أكثر الدول عرضة لتفاقم انعدام الأمن الغذائي نتيجة المخاطر المناخية. وتشير التقديرات الإنسانية الحالية إلى أن نحو 19.5 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينما لا يزال خطر المجاعة قائماً في عدد من مناطق دارفور وكردفان إذا استمرت الظروف الحالية.

كما تواصل شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS NET) تصنيف السودان ضمن الدول الأكثر عرضة لتفاقم أزمة الأمن الغذائي.

ارتفاع درجات الحرارة والإجهاد الحراري

لا تقتصر تأثيرات النينيو على تغير أنماط هطول الأمطار، بل تمتد أيضاً إلى درجات الحرارة.

وتشير النماذج المناخية إلى ارتفاع احتمالات تسجيل درجات حرارة أعلى من المعدلات الطبيعية في معظم أنحاء القرن الأفريقي، ولا سيما شمال السودان. ومع تزامن ذلك مع ظاهرة الاحترار العالمي، فمن المتوقع أن تتفاقم آثار الإجهاد الحراري على الإنسان والثروة الحيوانية، وأن تزداد معدلات تبخر المياه، وتنخفض رطوبة التربة، مما يزيد الضغوط على الإنتاج الزراعي والأنظمة البيئية.

ولا تقتصر هذه الآثار على القطاع الزراعي فحسب، بل تمتد أيضاً إلى الصحة العامة، وإدارة الموارد المائية، والإنتاجية الاقتصادية.

الاستعداد المبكر… خط الدفاع الأول

ورغم هذه التوقعات المقلقة، فإن النينيو لا ينبغي النظر إليه باعتباره كارثة لا يمكن تجنبها.

فقد أثبتت الخبرات الدولية أن الاستعداد المبكر يمكن أن يقلل بصورة كبيرة من الخسائر الإنسانية والاقتصادية.

ولهذا دعت كل من منظمة الأغذية والزراعة (FAO) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) إلى زيادة الدعم الدولي لتوسيع برامج العمل الاستباقي في الدول الأكثر عرضة للمخاطر المناخية، ومن بينها السودان. وتشمل هذه الإجراءات توزيع بذور مقاومة للجفاف، وحماية الثروة الحيوانية، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتقديم مساعدات مالية مبكرة للمجتمعات الأكثر هشاشة قبل وقوع الكوارث.

وقد أثبتت التجارب أن مثل هذه التدخلات الاستباقية أكثر فاعلية وأقل تكلفة بكثير من الاستجابة بعد وقوع الكارثة.

دروس من ظواهر النينيو السابقة

أظهرت موجات النينيو القوية السابقة، ولا سيما خلال عامي 1997–1998 ومؤخراً 2023–2024، كيف يمكن للتقلبات المناخية أن تؤثر سريعاً في أنماط هطول الأمطار والإنتاج الزراعي والموارد المائية والأمن الغذائي في شرق أفريقيا.

غير أن التحدي الذي يواجه العالم اليوم أصبح أكثر تعقيداً، إذ تتزامن التقلبات المناخية الطبيعية مع التغير المناخي الناتج عن الأنشطة البشرية، مما يؤدي إلى زيادة تكرار وشدة الظواهر الجوية المتطرفة.

وتؤكد هذه التجارب أهمية الاستثمار في بناء القدرة على الصمود قبل وقوع الصدمات المناخية المقبلة.

بناء القدرة على الصمود في السودان

قد لا يكون بمقدور السودان منع حدوث ظاهرة النينيو، لكنه يستطيع الحد من آثارها من خلال التخطيط السليم ووضع سياسات تستند إلى الأدلة العلمية.

ويجب أن تصبح الأولوية الوطنية موجهة نحو تعزيز الرصد الجوي، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، والاستثمار في حصاد المياه وتخزينها، ودعم الزراعة الذكية مناخياً، وحماية المجتمعات الأكثر هشاشة، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي.

لقد أصبحت القدرة على الصمود أمام تغير المناخ اليوم ضرورة تتجاوز كونها هدفاً بيئياً، فهي تمثل ركناً أساسياً لتحقيق الأمن الغذائي، وحماية الصحة العامة، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، وضمان التنمية المستدامة.

ومع عودة ظاهرة النينيو لتؤثر مرة أخرى في أنماط الطقس العالمية، يقف السودان أمام اختبار جديد. فالقرارات التي تُتخذ اليوم هي التي ستحدد ما إذا كانت البلاد ستظل تكتفي بالاستجابة للكوارث المناخية، أم ستنجح في بناء القدرة على الصمود في مواجهة مستقبل مناخي يزداد تقلباً وعدم يقين.

المراجع :

– المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO): التحديثات المناخية الموسمية ورصد ظاهرتي النينيو والنينيا.

– منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO): أطر العمل الاستباقي والنظام العالمي للإعلام والإنذار المبكر (GIEWS).

– برنامج الأغذية العالمي (WFP): تقرير بؤر الجوع الساخنة – الإنذارات المبكرة المشتركة مع منظمة الأغذية والزراعة.

– شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS NET): تقارير توقعات الأمن الغذائي في السودان.

– الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC): تقرير التقييم السادس – التقرير التجميعي لتغير المناخ 2023.