حين يصل التعليم إلى مجلس الأمن… تكون الحرب في السودان قد أعلنت الحرب على المستقبل

 سميرة حسن علي كرار ومهدي داود الخليفة يكتبان ..

الحروب لا تُقاس فقط بعدد من يُقتلون، بل بعدد الأطفال الذين يُحرمون من حقهم في أن يحلموا.

في السابع من أغسطس، يعقد مجلس الأمن الدولي جلسة غير رسمية لمناقشة أوضاع التعليم في السودان، ينظمها وفد الصومال بالتعاون مع جمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيريا، تحت عنوان: «حماية التعليم في السودان: الاستثمار في السلام والتعافي والاستقرار».

 

وللوهلة الأولى، قد يبدو الاجتماع مجرد مناسبة إنسانية تُضاف إلى سلسلة الاجتماعات التي تعقدها الأمم المتحدة بشأن الأزمة السودانية، إلا أن دلالاته السياسية والإنسانية أعمق بكثير من عنوانه.

 

فمجرد انتقال ملف التعليم من وزارات التربية ومنظمات الطفولة إلى مجلس الأمن الدولي يعني أن المجتمع الدولي لم يعد ينظر إلى انهيار التعليم باعتباره أزمة خدمية أو تنموية، وإنما باعتباره تهديداً مباشراً للسلم والأمن الدوليين.

الحرب على مستقبل السودان

فعندما يصل التعليم إلى مجلس الأمن، تكون الحرب قد تجاوزت تدمير المدن والبنية التحتية، لتعلن الحرب على الإنسان نفسه، وعلى مستقبل الدولة السودانية.

فالمباني يمكن إعادة تشييدها، والطرق والجسور يمكن إصلاحها، أما الأجيال التي تُحرم من التعليم أو تُدفع إلى ساحات القتال، فإن تعويض خسارتها يحتاج إلى عقود، وربما لا يكون ممكناً بالكامل.

لقد تحولت الحرب السودانية من صراع على السلطة إلى حرب على المستقبل. ولم يعد الضحايا هم القتلى والجرحى والنازحون وحدهم، بل أصبح ملايين الأطفال الذين انقطعت صلتهم بالتعليم ضحايا لحرب سرقت طفولتهم وأغلقت أمامهم أبواب المستقبل.

خرجت آلاف المدارس من الخدمة بسبب القصف أو الاحتلال أو الدمار، وشُرِّد آلاف المعلمين، بينما يعيش ملايين الأطفال في معسكرات النزوح واللجوء بلا تعليم، ولا حماية، ولا أفق واضح للمستقبل.

غير أن الأخطر من إغلاق المدارس هو ما يحدث خارج أسوارها.

فالطفل الذي يُحرم من مقعده الدراسي لا يبقى بعيداً عن دائرة الصراع طويلاً، بل يصبح أكثر عرضة للتجنيد والاستغلال والعنف.

ومن المؤسف أن طرفي الحرب لم يعودا يتنافسان على حماية العملية التعليمية أو إعادة فتح المدارس، وإنما يتنافسان على توسيع رقعة القتال وحشد المزيد من المقاتلين، حتى وإن كان الثمن هو تجريد الأطفال من طفولتهم وحرمانهم من أبسط حقوقهم.

وهكذا تحولت المدرسة إلى ثكنة، والكتاب إلى بندقية، والتلميذ إلى مشروع مقاتل.

إنها ليست مجرد أزمة تعليم، بل جريمة أخلاقية وسياسية تهدد حاضر السودان ومستقبله. فكل طفل يُنتزع من الفصل الدراسي ليدفع إلى ميدان القتال يمثل خسارة للوطن قبل أن يكون ضحية للحرب.

والحروب قد تنتهي باتفاقات سياسية، لكن آثارها في عقول الأطفال ونفوسهم قد تمتد لأجيال.

التعليم في زمن الحرب… التزام قانوني لا خيار سياسي

إن ما يتعرض له التعليم في السودان لم يعد مجرد أثر جانبي للنزاع، بل أصبح في كثير من الحالات هدفاً مباشراً للحرب.

فالمدارس تُقصف أو تُحتل، والمعلمون يُهجَّرون، والطلاب يُحرمون من حقهم الأساسي في التعليم، بينما يُزج بآلاف الأطفال في أتون القتال، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

لقد كفلت اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 حق كل طفل في التعليم، وألزمت الدول بحمايته حتى أثناء النزاعات المسلحة. كما حظر البروتوكول الاختياري بشأن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة تجنيد الأطفال واستخدامهم في الأعمال العدائية، وأوجب حمايتهم من الاستغلال العسكري.

وتؤكد اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية ضرورة حماية المدنيين والأعيان المدنية، بما في ذلك المدارس والمؤسسات التعليمية، وتحظر استخدامها على نحو يعرّضها للهجوم أو يحرم الأطفال من حقهم في التعليم.

أما نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فيعتبر تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة أو إشراكهم في الأعمال العدائية جريمة حرب تستوجب المساءلة الجنائية الفردية.

كما أن استهداف المدارس أو استخدامها لأغراض عسكرية قد يرقى، وفق ظروف كل حالة، إلى جريمة حرب.

ومن ثم، فإن المسؤولية القانونية تقع على جميع أطراف النزاع دون استثناء، ولا يجوز لأي طرف أن يتذرع بظروف الحرب لتبرير تدمير المدارس أو تجنيد الأطفال أو حرمانهم من التعليم.

ماذا ننتظر من مجلس الأمن؟

إذا كان المجتمع الدولي قد أدرك أن انهيار التعليم في السودان أصبح تهديداً للأمن والاستقرار، فإن اجتماع مجلس الأمن يجب ألا ينتهي ببيان يعبر عن القلق، بل ينبغي أن يمثل بداية لتحرك دولي جاد.

ومن هنا، فإننا ندعو مجلس الأمن إلى تبني إجراءات عملية، أهمها:

 

– إنشاء آلية أممية مستقلة لرصد وتوثيق جميع الانتهاكات المرتكبة ضد التعليم في السودان، بالتعاون مع الأمم المتحدة واليونيسف واليونسكو والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، بحيث تتولى توثيق الهجمات على المدارس والجامعات، واستخدام المؤسسات التعليمية لأغراض عسكرية، والانتهاكات التي يتعرض لها المعلمون، وحرمان الأطفال من التعليم، وحالات تجنيد الأطفال واستغلالهم في النزاع.

 

– إدراج الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال والتعليم ضمن التقارير الدورية المقدمة إلى مجلس الأمن، وربطها بآليات المساءلة الدولية، بما يضمن عدم إفلات المسؤولين عنها من العقاب.

 

– مطالبة جميع أطراف النزاع بإعلان المدارس والجامعات مناطق مدنية محمية، والامتناع عن استخدامها لأي أغراض عسكرية، التزاماً بالقانون الدولي الإنساني.

 

– إطلاق برنامج دولي طارئ لإعادة تشغيل العملية التعليمية، يشمل إعادة تأهيل المدارس، ودعم المعلمين، وتوفير الكتاب المدرسي، وضمان استمرار التعليم في مناطق النزوح واللجوء.

 

الرسالة إلى المسؤولين في السودان

إن الأمم لا تُقاس بما تكسبه في ميادين القتال، وإنما بما تحافظ عليه من أجيالها.

وأكبر جريمة تُرتكب اليوم ليست استمرار الحرب فحسب، بل سرقة مستقبل ملايين الأطفال.

فالطفل الذي يتعلم حمل السلاح قبل أن يتعلم القراءة قد يصبح وقوداً لدورة جديدة من العنف حتى بعد توقف الحرب.

إن إعادة إعمار السودان لن تبدأ بإصلاح الجسور أو تشييد المباني الحكومية، وإنما ستبدأ يوم يعود آخر طفل إلى مقعده الدراسي، ويعود المعلم إلى رسالته، وتعود المدرسة فضاءً للعلم لا ساحةً للحرب.

لقد اعتاد العالم أن يقيس الحروب بعدد القتلى والجرحى، وعدد المدن التي سقطت أو استُعيدت، لكنه نادراً ما يقيسها بعدد المدارس التي أُغلقت، أو الأطفال الذين فقدوا حقهم في التعلم، أو الأحلام التي دُفنت تحت أنقاض الفصول الدراسية.

وفي السودان، لم تعد الحرب تستهدف الجغرافيا وحدها، بل أصبحت تستهدف التاريخ والمستقبل معاً.

فكل مدرسة تُغلق، وكل معلم يُهجَّر، وكل طفل يُنتزع من مقعده الدراسي، يمثل خسارة استراتيجية للوطن لا تقل خطورة عن خسارة مدينة بأكملها.

إن المجتمع الدولي مطالب اليوم بأن يتعامل مع التعليم باعتباره قضية أمن وسلام واستقرار، لا مجرد ملف إنساني.

فالدول التي تفقد مدارسها اليوم ستواجه غداً أجيالاً أكثر عرضة للفقر والتطرف والعنف، وسيكون ثمن إعادة بناء الإنسان أكبر بكثير من تكلفة حمايته.

أما القيادات السودانية، فإن التاريخ لن يسألها من انتصر في معركة، بل ماذا فعلت بأطفال السودان، وكيف سمحت بأن تتحول المدارس إلى ساحات حرب، والكتب إلى أنقاض، والأحلام إلى قوائم انتظار في مخيمات النزوح واللجوء.

إن السودان لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار، بل إلى وقف الحرب على الإنسان السوداني.

ولا يحتاج فقط إلى اتفاق سياسي، بل إلى عقد وطني جديد يجعل حماية الطفل والتعليم أولوية وطنية تتقدم على كل الحسابات العسكرية والسياسية.

إن اجتماع مجلس الأمن لمناقشة التعليم في السودان ليس مجرد حدث بروتوكولي، بل رسالة واضحة بأن الحرب بلغت مرحلة تهدد بقاء الدولة نفسها.

وإذا كان إنقاذ الأرواح واجباً عاجلاً، فإن إنقاذ العقول واجب لا يقل إلحاحاً، لأن الأوطان تستطيع إعادة بناء الحجر، لكنها لا تستطيع بسهولة تعويض جيل ضاع بين صوت الرصاص وصمت الفصول الدراسية.

لقد أصبحت حماية التعليم في السودان قضية وطنية وأخلاقية وقانونية وسياسية بامتياز، وستكون معياراً يحاكم به التاريخ جميع الأطراف: من حمى مستقبل السودان، ومن شارك في إضاعته.

ويبقى السؤال الذي يجب أن يواجه به كل من يحمل السلاح أو يتخذ القرار:

هل يدرك المتحاربون أن أخطر ما تدمره الحرب ليس الجسور ولا المباني، وإنما الإنسان؟

وهل يستوعب الساسة أن إعادة إعمار السودان تبدأ بإعادة الطفل إلى المدرسة، قبل إعادة المسؤول إلى مكتبه؟

««عندما يُستبدل الكتاب بالبندقية، تكون الحرب قد انتصرت على المستقبل قبل أن تنتصر في الميدان.»»