المساءلة القانونية لقيادات النظام الإسلاموي في السودان..المسارات والتحديات

إيهاب الأمين يكتب ..

تحدثنا عدة مرات عن بعض الجرائم والمخالفات الإنسانية للحكم الإسلاموي الذي استولى على السلطة بانقلاب عسكري في 30 يونيو 1989 وارتُكبت خلاله انتهاكات جسيمة ومنهجية لحقوق الإنسان وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق والشرق، واليوم وبعد سقوط ذلك النظام بثورة شعبية في أبريل 2019 وعقب ما نتوقعه من انتباهة لحكومة البرهان التي تدرك تماماً أنه قد أدى ما أراده الإسلاميون وانه قد استنفد اغراضه وسيقومون باغتياله وغالباً (سيركب الطيارة) وهي طريقتهم المفضلة في تصفية خصومهم لذلك نتوقع أن يتحرك البرهان لأنه سيفقد كل شئ إن غاب عنه هذا الأمر، يبقى السؤال القانوني والسياسي الأكبر كيف تُبنى منظومة عدالة حقيقية تُحاسب من أجرموا من ذلك الحكم الإسلاموي الفاسد المفسد سواء أكانوا داخل السودان أم خارجه؟ دعونا نتوقف أولاً عند الإطار القانوني الدولي – المحكمة الجنائية الدولية، فقد أصدرت هذه المحكمة في لاهاي مذكرات توقيف بحق عمر حسن أحمد البشير (2009 و2010) بتهم تشمل الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، كما صدرت أوامر توقيف بحق أحمد هارون وعبد الرحيم محمد حسين وعلي كوشيب وقد سلّم كوشيب نفسه للمحكمة عام 2020 وكما هو معلوم تستند ولاية المحكمة إلى قرار مجلس الأمن رقم 1593 (2005) الذي أحال الوضع في دارفور إلى المدعي العام للمحكمة رغم أن السودان ليس طرفاً في نظام روما الأساسي وهذا يمنح المحكمة ولاية قانونية ملزمة. ولكن التحدي الجوهري القائم ليس قانونياً بل سياسي لأن المحكمة لا تملك قوة شرطية وتعتمد على الدول الأطراف في تنفيذ أوامر التوقيف وهنا تبرز الحاجة إلى إرادة سياسية سودانية وإقليمية ودولية متزامنة.
ثانياً: المسار الداخلي – العدالة الانتقالية في السودان حيث
يملك السودان بوصفه دولة ذات سيادة الولاية الأصلية في محاكمة من ارتكبوا جرائم على أراضيه، ويتطلب ذلك إصلاح المنظومة القضائية بتطهير القضاء من عناصر النظام السابق وضمان استقلاله وبناء قدراته للتعامل مع قضايا بهذا الحجم والتعقيد. كما يحتاج إلى تشريعات خاصة وسنّ قانون للعدالة الانتقالية يشمل إنشاء محاكم أو دوائر متخصصة لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وإدراج تعريفات الجرائم الدولية في التشريع الوطني (الإبادة، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب، التعذيب، الاختفاء القسري)، وعدم سريان التقادم على هذه الجرائم.
إلى جانب المحاكمات الجنائية ثمة حاجة لآلية كشف الحقيقة توثّق الانتهاكات وتُعيد الاعتبار للضحايا.
وبموجب نظام روما تتدخل المحكمة الجنائية الدولية فقط عندما تكون الدولة المعنية غير راغبة أو غير قادرة على إجراء محاكمات حقيقية فإذا أنشأ السودان محاكم ذات مصداقية واستقلالية يمكنه ممارسة اختصاصه الأصيل مع إمكانية التنسيق مع المحكمة الدولية.
ثالثاً: المسارات البديلة خارج السودان: بعض الدول مثل ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وهولندا تُقرّ مبدأ الولاية العالمية الذي يسمح بمحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية بغض النظر عن جنسيتهم أو مكان ارتكاب الجريمة، هذا المسار مفيد خاصة إذا هرب المتهمون إلى دول لا تُسلّمهم للسودان أو للمحكمة الجنائية أو إذا تعذّر إجراء محاكمات عادلة داخل السودان مؤقتاً.
يمكن التفكير في إنشاء محكمة مختلطة سودانية–دولية على غرار تجارب سيراليون وكمبوديا ولبنان تجمع بين قضاة سودانيين ودوليين وتطبّق القانون الوطني والدولي معاً، هذا النموذج يجمع بين الشرعية المحلية والمعايير الدولية.
أيضاً يمكن لمجلس الأمن إنشاء محكمة دولية خاصة بقرار ملزم أو يمكن للجمعية العامة للأمم المتحدة التوصية بذلك وإن كان هذا المسار أكثر تعقيداً سياسياً.
رابعاً: التحديات القانونية والسياسية
حيث تواجه مسارات المحاسبة جملةً من التحديات المتشابكة التي لا يمكن تجاهلها عند رسم أي استراتيجية للعدالة،
وأول هذه التحديات يتمثّل في الحصانات المزعومة التي قد يتذرع بها المتهمون غير أن القانون الدولي المستقر ولا سيما نظام روما الأساسي يقرر صراحةً أنه لا حصانة لرئيس دولة أو مسؤول حكومي أمام المحكمة الجنائية الدولية ولا أمام المحاكم الوطنية عندما يتعلق الأمر بجرائم دولية فالصفة الرسمية لا تُعفي من المسؤولية الجنائية ولا تُشكّل ظرفاً مخففاً.
التحدي الثاني يرتبط بإفلات بعض المتهمين من العقاب عبر اللجوء السياسي أو الإقامة في دول ترفض التعاون القضائي فثمة دول لا تُوقّع اتفاقيات تسليم المجرمين أو ترفض تنفيذ أوامر التوقيف الدولية لأسباب سياسية مما يُبقي المطلوبين في مأمن مؤقت وهذا يستوجب ضغطاً دبلوماسياً وقانونياً متواصلاً وتفعيل آليات الإنتربول واستغلال الولاية القضائية العالمية في الدول التي تُقرّ هذا المبدأ.
أما التحدي الثالث فهو خطر تسييس العدالة فأي محاكمة تُدرَك على أنها أداة انتقام سياسي تفقد شرعيتها أمام الرأي العام وأمام المحاكم الدولية لذلك لا بد من ضمانات صارمة لاستقلالية القضاء وحق المتهمين في محاكمة عادلة وعلنية الإجراءات حتى لا تتحول العدالة إلى ثأر. والتحدي الرابع يتعلق بحماية الشهود والأدلة فمرور أكثر من ثلاثين عاماً على بعض الجرائم يعني أن الأدلة المادية قد تتآكل وأن الشهود قد يتوفون أو يُهدَّدون أو تضعف ذاكرتهم وهذا يفرض إنشاء آلية عاجلة لجمع الأدلة وتوثيق الشهادات وفق معايير جنائية دولية معتمدة قبل أن يضيع ما تبقى منها.
التحدي الخامس هو ضعف البنية القضائية السودانية ذاتها فثلاثة عقود من التسييس والتدخل التنفيذي أفرغت المؤسسات القضائية من استقلالها وقدرتها وإعادة بناء هذه المؤسسات تحتاج وقتاً وموارد وخبرات وهو ما يجعل الاستعانة بخبرات دولية في المراحل الأولى أمراً شبه ضروري.
خامساً: رؤى وتوصيات:
1/ عدم الإفلات من العقاب مبدأ غير قابل للتفاوض ويجب أن تُرسل رسالة واضحة بأن الجرائم الدولية لا تسقط بالتقادم ولا بالحصانة ولا بتغيّر الأنظمة.
2/التكامل بين المسارات بحيث لا تعارض بين محاكمات داخلية ومحاكمات دولية ويمكن توزيع القضايا ، المحكمة الجنائية تتولى القضايا الكبرى (القيادات العليا) والمحاكم الوطنية تتولى المستويات الوسطى والدنيا مع آلية مختلطة للحالات التي تتقاطع فيها الاختصاصات.
3. إرادة سياسية حقيقية: بدون قرار سياسي سوداني واضح بالتعاون مع المحكمة الجنائية وتسليم المطلوبين ستبقى أوامر التوقيف حبراً على ورق وهذا يتطلب ضغطاً شعبياً ودولياً مستمراً.
4/حقوق الضحايا في صلب العملية فالعدالة ليست مجرد عقاب بل تشمل جبر الضرر والتعويض وردّ الاعتبار وضمان عدم التكرار.
5/ يجب البدء فوراً في جمع الأدلة والشهادات وتوثيقها وفق معايير جنائية دولية، قبل أن يضيع ما تبقى منها.
6/ العدالة الانتقالية الشاملة فالمحاكمات الجنائية وحدها لا تكفي لبناء سلام مستدام ولا بد من مصارحة وإصلاح مؤسسي وبرامج مصالحة مجتمعية،
ثلاثون عاماً من القمع والقتل والتهجير لا تُطوى بصفحة سياسية أو تسوية هشة والعدالة ليست ترفاً ولا انتقاماً بل هي الشرط الأول لبناء دولة القانون التي ثار من أجلها السودانيون والمطلوبون للجنائية الدولية وغيرهم ممن تلطّخت أيديهم بدماء الأبرياء يجب أن يواجهوا قضاءً عادلاً ومستقلاً في لاهاي أو في الخرطوم أو في أي محكمة ذات اختصاص فالتاريخ لا يرحم والقانون الدولي لا ينسى والعدالة – وإن تأخّرت – لا تموت.