حيدر إبراهيم علي … حين يرحل الإنسان ويبقى مشروع التنوير
معتز محمد بشير يكتب ..
سرحتُ بعيداً وأنا أتأمل الأخبار الواردة من هنا وهناك عن رحيل أستاذي وصديقي الدكتور حيدر إبراهيم علي؛ كلما مرّ الوقت، أحاول أن أقنع نفسي بأن ما حدث مجرد حلم ثقيل، وأن الخبر الذي تناقلته الهواتف والمواقع لا يمكن أن يكون حقيقة. لكن العقل الذي دخل في حالة من الذهول، بل الهذيان، يعيدني في كل مرة إلى الحقيقة القاسية (لقد رحل حيدر!)؛ هناك أشخاص حين يرحلون لا نشعر أننا فقدنا شخصاً فحسب، وإنما نشعر أن شيئاً من العالم الذي كنا نعرفه قد اختلّ. وأن جزءاً من ذاكرتنا الشخصية، ومن ذاكرتنا عن الوطن، قد انطفأ فجأة؛ وهكذا أشعر الآن.
رحل الدكتور حيدر، الرجل الذي لم يعش لنفسه بقدر ما عاش للفكرة؛ للمعرفة، وللتنوير، ولحرية العقل، ولحق الإنسان في أن يسأل ويفكر ويختلف ويبحث عن الحقيقة دون وصاية؛ عاش سنوات عمره وهو يحاول أن يفتح نافذة في جدار كثيف من العتمة، وأن يجعل من الثقافة والمعرفة فعلاً من أفعال المقاومة الإنسانية.
لم يكن حيدر إبراهيم مجرد أستاذ جامعي أو عالم اجتماع أو كاتب وباحث يضيف كتاباً إلى مكتبة. هذه كلها أوصاف صحيحة، لكنها لا تكفي؛ كان واحداً من أولئك المثقفين الذين تحولت عندهم المعرفة من مهنة إلى مسؤولية، ومن الكتابة إلى موقف، ومن الثقافة إلى مشروع حياة؛ فاشتغل على أسئلة السودان الكبرى من الدولة، والمجتمع، والهوية، والدين، والثقافة، والتحديث، والمجتمع المدني، والإسلام السياسي، والديمقراطية، والعلاقة الملتبسة بين المعرفة والسلطة؛ وكان، طوال مسيرته، يصر على أن التفكير ليس ترفاً، وأن المجتمع الذي لا ينتج المعرفة ولا يحمي حرية العقل يترك مستقبله للآخرين.
ولهذا كان صدامه مع سلطة الإنقاذ والتيارات الإسلامية المتشددة صداماً يتجاوز الخلاف السياسي المباشر؛ فقد كان في جوهره دفاعاً عن مساحة العقل والحرية والثقافة في مواجهة سلطة أرادت أن تجعل من المعرفة امتداداً للسلطة، ومن الاختلاف جريمة، ومن الثقافة مجالاً للرقابة؛ ودفع الدكتور حيدر ثمناً لذلك.
حوصرت أفكاره، وضُيّقت مساحات عمله، وأُغلق مركز الدراسات السودانية، وتعرض المشروع الذي أفنى من أجله سنوات طويلة من عمره إلى التضييق والملاحقة. لكن المفارقة أن كل ذلك لم ينجح في إغلاق الفكرة نفسها؛ فالفكرة التي آمن بها حيدر كانت أكبر من المكتب، وأكبر من المؤسسة، وأكبر من قدرة السلطة على إغلاق الأبواب.
مركز الدراسات السودانية … رئة حيدر ومشروع عمره…
ولعل أفضل مكان يمكن أن نرى فيه حيدر إبراهيم كما ينبغي أن نراه هو (مركز الدراسات السودانية)؛ المركز لم يكن بالنسبة إليه مجرد مؤسسة بحثية أو دار نشر أو مكتباً ثقافياً؛ كان رئة يتنفس منها، ومشروع عمر، وبيتاً للفكرة، ومساحة أراد من خلالها أن يقول إن السودان يستحق أن يكتب نفسه بنفسه، وأن يوثق تاريخه، وأن ينتج معرفته، وأن يستضيف العالم في حوار متبادل لا في علاقة تابع ومتبوع؛ ومنذ تأسيس المركز، تحول شيئاً فشيئاً إلى مساحة نادرة في الحياة السودانية؛ للبحث، والنشر، والندوات، والحوار، والتوثيق، والفنون، والآداب، والموسيقى، والنقاش العام؛ لذا لم يكن المركز معنياً فقط بما يحدث داخل الجامعة أو في الدوائر الأكاديمية؛ كان يريد أن يمد جسوراً بين المثقف والمجتمع، وبين الباحث والقارئ، وبين السودان والعالم؛ ومن خلاله صدرت الكتب والدراسات والإصدارات، وبرزت مشاريع التوثيق، ومجلة (كتابات سودانية)، و(التقرير الاستراتيجي السوداني)، وفتحت أبواب المركز أمام أسماء كبيرة من عالم الفكر والأدب والسياسة والفن؛ كما وكان من شرف المركز أن يستضيف ويحتفي بأسماء كبيرة مثل سمير أمين ومحمود درويش وغيرهما من المثقفين والمبدعين الذين مروا عبره أو التقت بهم الحياة السودانية من خلاله؛ لكن أهمية المركز، في تقديري، لا تقاس فقط بعدد الكتب التي نشرها أو الندوات التي نظمها؛ بل بما صنعه من مناخ معرفي؛ حيث كان يقول للناس، بصورة عملية، إن الثقافة ليست زينة، وإن الكتاب ليس ترفاً، وإن التوثيق ليس عملاً هامشياً، وإن المجتمع المدني ليس وظيفة مؤقتة، وإن المعرفة نفسها يمكن أن تكون فعلاً من أفعال التغيير؛ ولهذا كان إغلاق المركز أكثر من إغلاق مكتب؛ كان محاولة لإسكات مساحة كاملة من الحياة الثقافية السودانية؛ لكن المركز لم يمت.
أنا … وحيدر…
تعرفت إلى الدكتور حيدر أولاً من بعيد؛ كنت خارج السودان، أدرس في الصين، وأقرأ كتبه ومقالاته وأتابع إنتاجه الفكري. كنت أعرفه بوصفه اسماً كبيراً في الفكر السوداني، وأتابع ما يكتبه عن المجتمع والدين والسياسة والثقافة والتنوير؛ ولم يخطر ببالي وقتها أن الأيام ستمنحني شيئاً أكبر بكثير من فرصة قراءته؛ ستمنحني فرصة الجلوس معه، ومناقشته، والعمل معه، ومرافقته، ثم أن أصبح واحداً من الناس الذين يأتمنهم على بعض تفاصيل مشروعه.
حين عدت إلى السودان، ذهبت إلى مركز الدراسات السودانية وأنا أحمل رغبة بسيطة جداً: أن أتعلم، وأن أنهل من هذا الرجل مباشرة؛ فقال لي ببساطته المعهودة: (خش المركز… وحبابك)؛ كانت جملة قصيرة، لكنها كانت بالنسبة لي بوابة إلى عالم كامل.
في ذلك الوقت كان كثير من الشباب ينظرون إلى العمل المدني والثقافي من زاوية المقابل المادي، وهو أمر يمكن فهمه في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة؛ وحيدر نفسه تفهم ذلك، ولكنه كان يرى الأمر من زاوية أوسع؛ كان يؤمن بأن المجتمع المدني فكرة قبل أن يكون وظيفة، وأن العمل العام مسؤولية، وأن المعرفة لا ينبغي أن تختزل في راتب؛ أما أنا، فلم أكن أعير الجانب المادي اهتماماً كبيراً، وهو ما سمح لي بالاستيطان في المركز، حتى أصبح بيتي الثاني، ثم أصبح شيئاً أكبر من ذلك أصبح جزءاً من تكويني الشخصي والفكري، وجزءاً من تعريف الناس لي؛ وما زلت، كلما قدمت نفسي في مكان، أشعر بالفخر حين أقول: (أنا أعمل في مركز الدراسات السودانية، مركز الدكتور حيدر إبراهيم علي)؛ يا لها من جملة صغيرة، لكنها تحمل في داخلي تاريخاً كاملاً.
الأرشيف … حين تصبح الأوراق ذاكرة…
واليوم، وأنا أواجه هذا الفقد، لم أجد أمامي سوى أن ألوذ بالأرشيف الذي تركه الدكتور في عهدتي؛ صور، ومستندات، ومحاضر اجتماعات، ومراسلات، وميزانيات، وأوراق، وملفات، ووثائق؛ أقلبها الآن، فلا أجد أوراقاً بل أجد حياة؛ هذه صورة ورشة، وتلك ندوة، وهذه فعالية، وتلك صورة لطاقم المركز في احتفال بسيط بعيد ميلاد الدكتور حيدر؛ هنا محضر اجتماع، وهناك ميزانية مشروع، وهنا مراسلة، وهناك ورقة تحمل ملاحظاته؛ كل ورقة تستدعي زمناً؛ كل صورة تفتح باباً في الذاكرة؛ وكلما قلبت ورقة، شعرت بدموعي تنزل بعنف، لأنني لا أرى الورق وحده؛ أرى الأشخاص الذين كانوا هنا، والأصوات التي ملأت المكان، والضحكات، والاجتماعات، والقلق، والأحلام، والعمل اليومي الذي لا يظهر في الكتب حين تكتب السيرة العامة للأشخاص؛ ومن بين كل ما أستعيده الآن، هناك شيء واحد يثقل قلبي أكثر من غيره (الثقة)؛ من أعظم فضائل الدكتور حيدر عليّ أنه جعلني موضع ثقة؛ وهو أن يضع رجل بقامة حيدر إبراهيم شيئاً من مشروعه، وأوراقه، وإصداراته، وأرشيفه بين يديك، ليس أمراً عادياً؛ إنها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون إدارية؛ وأياً كان ما فعلته في حياتي، فإن هذه الثقة ستظل واحدة من أثمن الأشياء التي حصلت عليها.
حين حملني حيدر فوق ما أظن أنني أستطيع…
كان الدكتور يكلفني بمتابعة بعض أعماله الفكرية والتواصل مع المطابع ودور النشر في مصر، ومن بينها مؤسسة أوراق للطباعة والنشر؛ وحتى الآن، حين أتذكر ذلك، أسأل نفسي، كيف لرجل بهذا الحجم أن يمنح شخصاً مثلي هذه المساحة من الثقة!؟؛ كان يدفعني، بطريقة ربما لم أكن أدركها وقتها، إلى أن أكون أكبر من صورتي عن نفسي؛ وهذه واحدة من أهم الأشياء التي تعلمتها منه (أن الأستاذ الحقيقي لا يكتفي بأن يعلمك، بل يثق بك أحياناً قبل أن تتعلم أنت كيف تثق بنفسك)؛ وهذه الثقة دين لن أستطيع أن أوفيه، مهما طال العمر.
محنة المركز … ثم عودته…
وعندما أُغلق مركز الدراسات السودانية بفعل التضييق الأمني، ظل المركز حاضراً في الوجدان، حتى وهو غائب عن المكان؛ ولكن كنا وحيدر دائمي التواصل بشأن إبتداع إي طريقة للمركز أو نشر فلسفته لم يقف بينا التواصل أو لقاء الإ وكان المركز والمشروع حاضراً بيينا؛ ثم جاءت حِراك الثورة؛ وكان عليّ أن أسعى لاستعادة المركز، وأن أركض بين المؤسسات، وأتابع التصاديق والإجراءات والأذونات، وأتنقل من جهة إلى أخرى وسط متاهة البيروقراطية، بتوجيهات من الدكتور حيدر؛ وسعينا وسعينا ولا أستطيع وصف الفرحة التي شعرت بها حين بدأت الأمور تقترب من الاكتمال؛ فلم تكن بالنسبة لي عودة مؤسسة إلى العمل؛ كانت عودة شيء من الروح؛ ثم عاد المركز إلى الحياة في مقره الجديد بشارع الجمهورية، بالقرب من مقر الاتحاد الأوروبي؛ كان المقر الجديد مختلفاً، لكنني كنت أرى في داخله ظلال المكان القديم بالخرطوم (3)؛ ذلك المكان الذي كان بيتي الثاني، والذي تركت جدرانه في داخلي أكثر مما تركت فيه؛ حتى أتذكر وأنا تصفح الأوراق بيان العودة، الذي شاركني الدكتور حيدر نقاشاته حوله، ثم توليت لاحقاً تنسيقه؛ تفاصيل صغيرة ربما لا تعني شيئاً لمن يقرأها من الخارج، لكنها بالنسبة لي اليوم أثقل من أن تحتملها الكلمات.
الحرب … والقاهرة…
ثم جاءت الحرب؛ مرة أخرى، تفرقت الأشياء؛ غادر الدكتور إلى مصر؛ البلد الذي أحبه، والذي احتضن جانباً مهماً من حياته ومشروعه؛ وصارت زياراتي إلى مصر تحمل هدفاً أساسياً في داخلي أن أرى حيدر؛ كنت أذهب إلى داره، منذ أيام مصر الجديدة وحتى انتقاله إلى المعادي، فنلتقي ونتحدث ونتونس ونتسامر، ونستعيد الحكايات، ونتحدث عن السودان والمركز والكتب والأصدقاء والحياة؛ لم أكن أعرف أن تلك الجلسات ستصبح يوماً جزءاً من الذاكرة التي سأبحث عنها وأنا أكتب عنه بعد رحيل؛ وهذه ربما واحدة من قسوة الموت؛ أن الأشياء العادية التي كنا نعيشها دون أن نفكر فيها، تتحول بعد الرحيل إلى كنوز لا يمكن استعادتها.
حياة … الشريكة في الطريق…
ولا يمكن أن أتحدث عن حيدر دون أن أتوقف عند الأستاذة حياة، رفيقة دربه وشريكته في الحياة والمشروع؛ كانت حياة حاضرة في تفاصيل هذا الطريق الطويل، سنداً وشريكة في المشاريع والأفكار والقلق والأمل؛ كانت روحاً في كثير من مشاريع الدكتور، وظهيراً له في سنوات طويلة من العمل؛ ولا أعرف ماذا يمكن أن تقول الكلمات أمام فقد بهذا الحجم؛ لكنني أقول لها فقط: (لكِ الصبر أستاذتي حياة، وكوني بخير)؛ فبعض الأحزان لا تحتاج إلى مواساة بقدر ما تحتاج إلى أن يجد صاحبها من يقف إلى جواره بصمت.
المركز الذي علمني الحياة…
إذا كان عليّ أن أقول ماذا أعطاني مركز الدراسات السودانية، فلن أستطيع أن أضع ذلك في قائمة؛ فالمركز لم يمنحني وظيفة؛ منحني عالماً؛ وشعارات ظلت قلادة في حياتي، مثل شعار الدكتور الذي يحبه وصار دليلاً له (كنَ واقعياً وأطلب المستحيل)، الشعار الذي إستقاه من ثورة الشباب التنويرية في الأربعينيات.
هناك في المركز اقتربت من أسماء لم أكن أتخيل أنني سألتقيها، فتعرفت عن قرب لسمير أمين ومحمود درويش وغيرهما من المفكرين والأدباء والفنانين والموسيقيين والسياسيين الذين مروا بالمركز أو التقت بهم مساحاته، والذين حضوا إلى السودان بدعوات من مركز الدرسات السودانية، فهذه القامات كانت تعي مقدار الدكتور حيدر والذي لا يقل عنها بأي شكل من الأشكال؛ وهناك عرفت أصدقاء صاروا من أجمل صٍحاب العمر؛ أماني أبو الريش، فرانسيس، يوسف البدوي، وهناء الذاكي، ميانق، وسبت، وغيرهم من رفاق ذلك المكان؛ ورغم أن طاقم المركز كان صغيراً، فقد كنا أسرة؛ أسرة تجمعها الفكرة والعمل والمحبة، وتعرف كيف تضحك وسط الضيق، وكيف تعمل وسط قلة الإمكانات، وكيف تجعل من المكان الصغير أثراً أكبر من حجمه؛ ولذلك فإنني حين أعزيهم اليوم، لا أعزي زملاء عمل فقط؛ أعزي أسرة فقدت أستاذها ووالدها ورفيق مشروعها؛ وأعلم أن وجيعتهم ليست أقل من وجيعتي فصبراً جميلا يا رفاق.
ماذا يعني أن يرحل حيدر؟…
رحيل الدكتور حيدر إبراهيم علي ليس مجرد غياب شخص؛ إنه فقد جزء من الذاكرة الفكرية والثقافية الحديثة للسودان؛ لكنني لا أريد أن أحول الرجل إلى تمثال بعد موته؛ فحيدر نفسه لم يكن يحب التماثيل.
كان يحب السؤال، كان يحب النقاش، وكان يعرف أن المعرفة لا تتقدم بالتصفيق، وإنما بالاختلاف والنقد والبحث؛ ولهذا فإن الوفاء الحقيقي له ليس أن نحوله إلى اسم مقدس، وإنما أن نواصل الأسئلة التي عاش من أجلها، أن ندافع عن حق الناس في المعرفة، أن نتمسك بحرية التفكير، أن نرفض تحويل الدين إلى أداة احتكار للسلطة والمعرفة، أن نؤمن بالمجتمع المدني بوصفه مساحة حرة للفعل الإنساني، أن نوثق السودان قبل أن تبتلع الحرب والذاكرة الشفوية كثيراً من تفاصيله، أن نفتح أبواب الثقافة أمام الناس، وأن نواصل بناء المؤسسات التي يمكن أن تعيش بعد أصحابها
حيدر الذي يبقى…
الرجال الذين يكرسون حياتهم للأفكار لا يرحلون تماماً، يبقى بعضهم في الكتب، وبعضهم في المؤسسات، وبعضهم في ذاكرة تلاميذهم، وبعضهم في الأشخاص الذين منحهم الثقة، وبعضهم في سؤال زرعوه في عقل شاب، فظل السؤال يكبر معه سنوات طويلة، وحيدر سيبقى في كل ذلك، سيبقى في مركز الدراسات السودانية، في أرشيفه وكتبه ووثائقه وذاكرته، سيبقى في كل شخص قال له يوماً: (خش المركز وحبابك)، سيبقى في كل باحث وجد باباً مفتوحاً أمامه، وفي كل كاتب وجد مساحة للنشر، وفي كل شاب تعلم أن العمل الثقافي يمكن أن يكون فعلاً من أفعال المقاومة، وفي كل سوداني أدرك أن هذا البلد لا ينبغي أن يكون مجرد موضوع يكتب عنه الآخرون، وإنما مجتمعاً ينتج معرفته بنفسه، وأنا، شخصياً، سيبقى حيدر في جزء من تعريف الناس بي، حين أقول إنني عملت في مركز الدراسات السودانية، فإنني لا أذكر مكاناً عملت فيه، أذكر معلماً، أذكر أستاذاً، أذكر صديقاً، أذكر أسرة، وأذكر مرحلة كاملة من حياتي؛ ولهذا فإن حزني عليه ليس حزن قارئ على مفكر، ولا حزن موظف على مدير، وإنما حزن إنسان فقد واحداً ممن تركوا أثراً عميقاً في تكوينه.
وداعاً يا أستاذي…
وداعاً يا حيدر إبراهيم علي، أعرف أن الموت يأخذ الجسد، لكنه لا يستطيع أن يأخذ المعنى، وأعرف أن المركز قد يغلق مرة، وقد يضطر إلى الرحيل من مكان إلى آخر، وقد تتعطل المشاريع بالحرب، لكن الفكرة التي عشت من أجلها حيدر أكبر من كل ذلك، لقد عشت لتضخ الوعي في جسد هذا الوطن، وعشت لتقول إن السودان ليس فقراً وحرباً وانقلابات فقط؛ السودان أيضاً كتاب، وفكرة، وشعر، وموسيقى، وبحث، وحوار، وذاكرة، وأسئلة، وإنسان يريد أن يكون حراً، لقد أعطى حيدر عمره لهذه المعركة الهادئة والصعبة؛ وربما لهذا فإن أعظم ما يمكن أن نقوله في وداعه ليس إنه مات، وإنما إنه ترك وراءه ما يستحق أن يعيش.
أما مركز الدراسات السودانية، ذلك المكان الذي صار جزءاً من سيرته، وصار جزءاً من سيرتي أنا أيضاً، فسيظل شاهداً على رجل مرّ من هنا، ولم يكتفِ بأن يعيش في وطنه، وإنما حاول أن يجعل هذا الوطن أكثر وعياً بنفسه؛ وسيظل الأرشيف الذي بين يدي أمانة؛ كل صورة فيه شهادة؛ كل ورقة ذاكرة؛ كل محضر أثر؛ وكل اسم مرّ عبر المركز جزء من قصة أكبر؛ وأنا الآن، وسط هذا الحزن كله، لا أجد إلا أن أقول: (شكراً يا حيدر)…
شكراً … لأنك فتحت الباب…
شكراً … لأنك وثقت…
شكراً … لأنك علمتني أن المعرفة مسؤولية….
شكراً … لأنك جعلت من المركز بيتاً للفكرة…
وشكراً … لأنك تركت لنا ما هو أبقى من حضورك الجسدي (تركت لنا سؤالاً)؛ كيف نصنع وطناً أكثر حرية، وأكثر وعياً، وأكثر اتساعاً للإنسان؟؛ ذلك السؤال، يا أستاذي، هو إرثك الحقيقي؛ وما دام السؤال حياً،
فأنت لم ترحل تماماً.
