
ما هى متطلبات إعادة الإعمار المستدامة ؟ (المقال 16 من 17)
على مدى أكثر من خمسة وعشرين عاماً، كتبتُ نحو خمسة عشر بحثاً أكاديمياً في قضايا الحرب والسلام وآثارهما الاقتصادية والسياسية. وانطلاقاً من هذه الدراسات، أعددتُ سبعة عشر مقالاً مبسّطاً للقارئ العام، تُنشر تباعاً في عدد من وسائط الإعلام السودانية؛ مساهمةً في حوار وطني قائم على المعرفة والأدلة، ومستفيد من تجارب الأمم ومن التاريخ السوداني.
وتتناول السلسلة: أولاً، أسباب الحروب الأهلية وآثارها؛ ثانياً، سبل إنهائها وبناء السلام؛ ثالثاً، ما تخلّفه من دمار اقتصادي وتقويض للدولة؛ ورابعاً، متطلبات إعادة الإعمار المستدامة؛ مع استخلاص الدروس ذات الصلة بالسودان.
السلام يحتاج إلى النمو، والنمو يحتاج إلى اقتصاد سياسي سليم: دروس من تجربتَي إثيوبيا والسودان
يُعد إنهاء الحرب الأهلية أحد أعظم الإنجازات التي يمكن أن تحققها أي أمة. غير أن التاريخ يعلّمنا أن وقف الحرب وبناء سلام دائم ليسا شيئاً واحداً. فقد نجحت دول كثيرة في إسكات المدافع وتوقيع اتفاقات سلام، ثم انزلقت مجدداً إلى العنف بعد سنوات قليلة. والدرس المستخلص من عقود من الخبرة الدولية واضح: تستطيع اتفاقات السلام وعمليات الأمم المتحدة الناجحة أن تفتح نافذة للسلام، لكنها لا تستطيع وحدها إبقاء هذه النافذة مفتوحة إلى الأبد. ففي نهاية المطاف، يعتمد السلام المستدام على قدرة البلد على تحقيق نمو اقتصادي تحويلي واسع القاعدة، يمنح المواطنين مصلحة مادية واجتماعية حقيقية في الاستقرار.
تمثل هذه الفكرة إحدى الحجج المركزية في الفصل الذي كتبته مؤخراً بعنوان “استراتيجية سودانية لبناء السلام والتجديد الوطني والنمو الاقتصادي التحويلي الذي تقوده الزراعة”، المنشور في كتاب صدر حديثاً عن المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية (وسيرد التوثيق الكامل للورقة في نهاية هذا المقال). ويؤكد الفصل أن بعثة أممية قوية ومتعددة الأبعاد بقيادة الأمم المتحدة قد تكون ضرورية لإنهاء الحرب الحالية في السودان وحماية المدنيين ودعم الانتقال السياسي. غير أن استدامة السلام بعد انتهاء مهمة البعثة ستتوقف، في نهاية المطاف، على اقتصاد سياسي قادر على تحقيق نمو سريع وشامل وتحوّلي.
تشير الأدلة الدولية في مجال بناء السلام إلى أن عمليات الأمم المتحدة يمكن أن تؤدي دوراً بالغ الأهمية في تنفيذ اتفاقات السلام، وحماية المدنيين، ودعم التحولات السياسية، والحد من المخاطر المباشرة لتجدد العنف. غير أن تأثير هذه العمليات يتراجع بالضرورة بعد انتهاء مهمتها ومغادرة القوات الدولية. وهنا يبرز السؤال الحاسم: ما الذي يحدد ما إذا كان السلام سيستمر بعد انتهاء الوجود الدولي؟
تدل التجارب المقارنة على أن البلدان التي تحقق نمواً اقتصادياً مستداماً بعد النزاع تكون أقل عرضة للانزلاق مجدداً إلى الحرب الأهلية. فالنمو يخلق فرص العمل، ويستعيد الثقة، ويقوي المؤسسات العامة، ويوسع القاعدة الضريبية، ويمنح الأفراد والجماعات حوافز للتعاون بدلاً من الصراع.
وفي المجتمعات التي تعاني انقسامات هوياتية وإقليمية عميقة، مثل السودان، يؤدي النمو وظيفة إضافية في بناء السلام. فهو يوسع فرص التفاعل الاقتصادي بين المناطق والمكونات الاجتماعية، ويعزز التحضر، ويسهم في نمو الطبقة الوسطى، وينقل المنافسة السياسية تدريجياً من الاستقطاب القائم على الهوية إلى التنافس حول المصالح والبرامج الاقتصادية المشتركة. ومن ثم، لا يمثل النمو مجرد هدف اقتصادي يأتي بعد تحقيق السلام، بل يشكل في ذاته استراتيجية لترسيخه ومنع اندلاع الحرب التالية.
النمو الاقتصادى قرار سياسي قبل أن يكون وصفة فنية
غالباً ما تبدأ مناقشات إعادة الإعمار بأسئلة فنية مألوفة: ما حجم الاستثمار المطلوب؟ وكيف ينبغي إدارة سعر الصرف؟ وما القطاعات التي تستحق الأولوية؟ ولا شك في أهمية هذه الأسئلة، لكن معظم الحكومات تعرف أن الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والزراعة والصناعة والمؤسسات العامة يعزز التنمية. لذلك، لا يتمثل السؤال الحاسم في معرفة السياسات الملائمة، بل في سبب اختيار بعض النخب لها، بينما تختار نخب أخرى الفساد والسعي وراء الريع والركود الاقتصادي.
يقدم الاقتصاد السياسي الحديث إجابة غير مريحة: قد تتبنى النخب الحاكمة سياسات اقتصادية غير كفؤة، لا بسبب جهلها، بل لأن هذه السياسات تخدم مصالحها السياسية. فالاحتكارات الاقتصادية تولد الريع، والشركات المملوكة للدولة قد تتحول إلى أدوات للمحسوبية، وأسعار الصرف المشوهة تكافئ الجماعات ذات الصلات السياسية، والمؤسسات الضعيفة تسهّل الفساد، بينما توفر الشركات التابعة للمؤسسات العسكرية والأمنية موارد مالية مستقلة عن الموازنة والرقابة المدنية. في مثل هذه الأنظمة، لا تكون عدم الكفاءة الاقتصادية مجرد خطأ عارض، بل قد تصبح خياراً عقلانياً من منظور النخبة الحاكمة، حتى وإن كانت مدمرة للاقتصاد والمجتمع. ويتوافق هذا الاستنتاج، من زوايا مختلفة، مع مساهمات دارون أسيموغلو وجيمس روبنسون وداني رودريك وستيفان ديركون(1): فالعامل الحاسم لا يتمثل في وجود المؤسسات السياسية بصورتها الشكلية فقط، وإنما في الحوافز التي تحكم كيفية ممارسة النخب للسلطة.
الشرعية الاقتصادية في مواجهة شرعية الريع
يمكن للحكومات أن تحافظ على سلطتها من خلال مسارين مختلفين. يقوم المسار الأول على توزيع الريع وشراء الولاءات بواسطة المحسوبية والامتيازات والاحتكارات والوصول الانتقائي إلى موارد الدولة. ويقود هذا النموذج إلى توسيع شبكات الفساد، وإضعاف المؤسسات، وتعطيل المنافسة، وتحويل الموارد من الاستثمار المنتج إلى حماية التحالف الحاكم. أما المسار الثاني، فيقوم على ما أسميته فى عدة مقالات صحفية وأوراق أكاديمية(2) “الشرعية الاقتصادية”. وفيه تستمد الحكومة جانباً مهماً من قبولها السياسي من قدرتها على رفع دخول المواطنين، وتوسيع فرص العمل، وتحسين الخدمات العامة، وبناء البنية التحتية، والارتقاء بمستويات المعيشة. ويشجع هذا النوع من الشرعية الاستثمار والإنتاج وتحسين الإدارة العامة؛ لأن بقاء النخبة يصبح مرتبطاً بنجاح الاقتصاد، لا بتوزيع الريع فقط.
ولا يعني ذلك أن الشرعية الاقتصادية يمكن أن تكون بديلاً عن الشرعية الديمقراطية. بل إن بناء دولة مستقرة بعد الحروب والإنقلابات والأزمات السياسية الكبرى يتطلب الجمع بينهما: شرعية سياسية تستند إلى المشاركة والانتخابات والمؤسسات الشاملة، وشرعية اقتصادية تستند إلى تحسين ملموس في حياة المواطنين. فالانتخابات وحدها لا تضمن التنمية، مثلما أن النمو وحده لا يعوض غياب الحقوق والحريات والمشاركة السياسية.
إثيوبيا والسودان: مساران متباينان
تتضح أهمية هذه الخيارات عند مقارنة إثيوبيا والسودان خلال الفترة الممتدة تقريباً من مطلع الألفية إلى عام 2019. ففي بداية تلك المرحلة، بدا البلدان متشابهين في جوانب عديدة: كان كلاهما فقيراً ومتعدد الأعراق، وعانى حروباً أهلية طويلة، وورث مؤسسات ضعيفة. ومع ذلك، تباعد مساراهما الاقتصاديان بدرجة كبيرة خلال السنوات الخمس عشرة التالية.
دخلت إثيوبيا واحدة من أسرع فترات النمو المستدام في تاريخ أفريقيا الحديث. وتوضح بيانات البنك الدولي أن حجم اقتصادها تضاعف أكثر من أربع مرات بين عامي 2004 و2019، كما نما دخل الفرد بسرعة، فتقلصت فجوة دخل الفرد بينها وبين السودان. أما الاقتصاد السوداني، فلم يحقق سوى نمو محدود وغير مستقر، قبل أن يتعرض لانتكاسة حادة عقب فقدان معظم عائدات النفط بانفصال جنوب السودان عام 2011.
لا يمكن تفسير هذا التباين بالجغرافيا أو الثقافة أو وفرة الموارد الطبيعية وحدها، بل يعكس اختلافاً عميقاً في خيارات الاقتصاد السياسي. فقد خلصت الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية إلى أن بقاءها السياسي على المدى الطويل يعتمد على تحقيق تحول اقتصادي، فاستثمرت في البنية التحتية والزراعة والتصنيع والتعليم ومؤسسات الدولة. ولم تكن نتائج هذه المراهنة مضمونة سلفاً، لكن القيادة سعت إلى التوفيق بين ضرورات البقاء السياسي ومتطلبات الإصلاح الاقتصادي من خلال سياسات الدولة التنموية، وبرامج التحول الزراعي، وإنشاء المجمعات الصناعية.
أما النخبة الحاكمة في السودان في عهد نظام “الإنقاذ”، فقد اختارت مساراً مختلفاً. فبدلاً من استخدام عائدات النفط لتنويع الاقتصاد وتحديث الزراعة وتعزيز القطاعات الإنتاجية، أقامت ما وصفه أليكس دي وال بـ”السوق السياسية”(3)، حيث يُشترى الولاء بتوزيع الريع والامتيازات. وقد موّلت عائدات النفط، ثم الذهب، شبكة واسعة من المحسوبية، فركدت القطاعات الإنتاجية، وضعفت المؤسسات، واتسع الفساد. وعندما انفصل جنوب السودان عام 2011، انكشفت هشاشة هذا النموذج القائم على الريع بدلاً من الإنتاج.
الاقتصاد العسكري وعقبة الإصلاح
يتمثل أحد أهم الفروق بين التجربتين في الدور الاقتصادي للمؤسسات العسكرية والأمنية في السودان. فقد تحولت هذه المؤسسات إلى فاعلين اقتصاديين رئيسيين، وراكمت الشركات التابعة لها أصولاً ضخمة تعمل في جانب مهم منها خارج نطاق الموازنة والرقابة المدنية. وقد غيّر هذا الوضع الاقتصاد السياسي للإصلاح جذرياً. فالإصلاحات الرامية إلى تعزيز المنافسة والشفافية والرقابة المدنية لا تهدد المصالح التجارية الراسخة فحسب، بل تمس أيضاً منظمات عسكرية قوية يستند جزء من نفوذها السياسي إلى مواردها الاقتصادية المستقلة. ولذلك تصبح الإصلاحات التي قد تكون سليمة اقتصادياً شديدة الصعوبة سياسياً.
ويترتب على ذلك درس أساسي للسودان بعد الحرب: لن يكون في مقدور البلاد تحقيق نمو تحويلي ومستدام ما لم تُنقل الأنشطة التجارية التابعة للمؤسسات العسكرية والأمنية تدريجياً إلى الرقابة المدنية، ضمن عملية شاملة لإصلاح القطاع الأمني. فبناء اقتصاد تنافسي وشفاف لا يتوافق مع وجود مراكز اقتصادية مسلحة تعمل خارج ولاية الدولة المدنية.
ما بعد الانتخابات: المراهنة المدنية على التنمية و دور المجتمع الدولي
الديمقراطية شرط لا غنى عنه لبناء السلام، لكنها لا تولد التنمية بصورة تلقائية. فالحكومات المدنية المستقبلية لن يُحكم عليها فقط بمدى التزامها بإجراء انتخابات حرة، وإنما أيضاً بقدرتها على توفير فرص العمل، وتحقيق النمو، وبناء البنية التحتية، وتطوير التعليم والصحة، وتعزيز الأمن الغذائي، ورفع مستويات المعيشة.
لذلك، ينبغي أن يكون القادة المدنيون في مرحلة ما بعد الحرب مستعدين أيضاً “للمراهنة على التنمية”، ببناء تحالفات سياسية واجتماعية تلتزم بالتحول الاقتصادي طويل الأجل، بدلاً من الانشغال بالمكاسب السياسية الآنية أو إعادة إنتاج شبكات المحسوبية في ثوب مدني. فالانتقال المطلوب لا يقتصر على إحلال الحكم المدني محل الحكم العسكري، بل يشمل الانتقال من اقتصاد الريع والامتيازات إلى اقتصاد الإنتاج والمنافسة، ومن شرعية القوة والمحسوبية إلى شرعية المشاركة والأداء.
يستطيع المجتمع الدولي أن يحسن فرص نجاح هذا التحول، من دون أن يحل محل الملكية الوطنية لمشروع الإصلاح. فتخفيف أعباء الديون في إطار مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون يمكن أن يوسع الحيز المالي المتاح لإعادة الإعمار والاستثمار الاجتماعي. كما يمكن للتعاون الدولي في استرداد الأصول المنهوبة خلال عقود الحكم الفاسد أن يوفر موارد إضافية ويعزز مبدأ المساءلة. كذلك تستطيع المؤسسات المالية الدولية تخفيف المخاطر التي تصاحب برامج الإصلاح الطموحة، من خلال التمويل الميسر، والمساعدة الفنية، ودعم بناء المؤسسات والقدرات الإدارية. ومن شأن هذه التدابير أن تزيد قدرة الحكومات السودانية المقبلة على اختيار النمو والإنتاج أساساً لشرعيتها، بدلاً من العودة إلى توزيع الريع وشراء الولاءات.
الدرس الرئيسي للسودان بعد الحرب
تقدم المقارنة بين إثيوبيا والسودان درساً بالغ الدلالة: لا تضمن الموارد الطبيعية الازدهار، ولا تكفي الانتخابات وحدها لتحقيق التنمية، كما أن اتفاقات السلام وعمليات حفظ السلام لا تضمن استدامة السلام. فالمسار الاقتصادي يتوقف، في نهاية المطاف، على الحوافز التي تواجه النخب السياسية: هل تستفيد أكثر من توسيع الاقتصاد وتحسين رفاهية المواطنين، أم من السيطرة على الريع وتوزيعه على شبكات الولاء؟
فإذا أعادت عملية الإعمار إحياء المؤسسات التي دعمت الهيمنة العسكرية والاستحواذ على الاقتصاد، فسيظل السلام هشاً. أما إذا نجح السودان في إقامة نظام مدني يكافئ الأداء الاقتصادي، ويخضع الأنشطة التجارية العسكرية للرقابة المدنية، ويربط الشرعية السياسية بتحسين حياة المواطنين، فستتاح له فرصة تتجاوز إعادة بناء ما دمرته الحرب. تستطيع عملية حفظ السلام وقف القتال وفتح نافذة للتعافي، لكن التحول الاقتصادي الشامل هو الذي يبقيها مفتوحة ويمنع اندلاع الحرب التالية.
المراجع:
Siddig, Khalid; Kirui, Oliver K.; and Dorosh, Paul A. (editors: 2026). War and resilience: The multifaceted impacts of Sudan’s conflict and pathways to recovery. Washington, DC: International Food Policy Research Institute. https://hdl.handle.net/10568/179201.
(1) دارون أسيموغلو وجيمس روبنسون وداني رودريك وستيفان ديركون:
Acemoglu, Daron, and James A. Robinson.2012. Why Nations Fail: The Origins of Power,
Prosperity, and Poverty. New York: Crown.
Acemoglu, Daron, and James A. Robinson. 2008. “Persistence of Power, Elites and Institutions.” American Economic Review 98(1): 267-293.
Dercon, Stephen. 2022. Gambling on Development: Why Some Countries Win and Others Lose. Hurst & Company, London, UK.
(2) ابراهيم البدوى. 2025.” الشرعية الاقتصادية”: ما هي؟ ولماذا الحاجة إليها؟ “: https://alghadalsudani.com/17498/
(3) أليكس دي وال:
De Waal, Alex. 2019. “Sudan: A Political Marketplace Framework Analysis”. Occasional Papers (19). World Peace Foundation, Somerville, MA.
