حرٌ لا يُطاق بالسودان… الغربان تهرب إلى الظل وبورتسودان تحت الإنذار الأحمر

بورتسودان/ الغد السوداني، خالد فتحي – لم يكن مشهد الغربان وهي تتزاحم تحت ظلال الأشجار والمباني هرباً من أشعة الشمس الحارقة مجرد لقطة عابرة، بل بدا وكأنه يلخص ما تعيشه مدينة بورتسودان الساحلية هذه الأيام.

وإذا كانت الطيور قد وجدت ملاذاً مؤقتاً من اللهيب، فإن مئات الآلاف من السكان يواجهون موجة حر استثنائية، تتزامن مع انقطاعات متواصلة للتيار الكهربائي، وشحٍّ في إمدادات المياه، وارتفاع أسعار الثلج لأسعار فلكية، لتتحول الحياة اليومية هناك إلى معركة مفتوحة مع الحرارة والخدمات معاً.

وتشير إفادات ميدانية ل«العربية.نت» إلى أن درجات الحرارة تلامس، في بعض الأوقات، حاجز 50 درجة مئوية، فيما تزيد الرطوبة المرتفعة الإحساس بالحرارة، لتجعل حتى ساعات الليل مرهقة، وسط صعوبة في النوم واستمرار الضغوط على الخدمات الأساسية.أعلنت الهيئة العامة للأرصاد الجوية حالة “الإنذار الأحمر” على ساحل البحر الأحمر خلال الفترة من الأول وحتى السادس من أغسطس (آب)، محذرة من ارتفاع شديد في درجات الحرارة قد يؤدي إلى الجفاف والإجهاد الحراري وضربات الشمس، ودعت المواطنين إلى تجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس، والإكثار من شرب المياه، وتأجيل الأنشطة الخارجية خلال ساعات الذروة.

وعززت وزارة الصحة بولاية البحر الأحمر حالة التأهب بإصدار تنويه عاجل، أكدت فيه أن درجات الحرارة قد تصل إلى 45 درجة مئوية فأكثر، محذرة من مخاطر الإجهاد الحراري وضربات الشمس، ودعت إلى ارتداء الملابس القطنية الفاتحة، واستخدام غطاء للرأس، وإيلاء عناية خاصة لكبار السن، والأطفال، ومرضى الأمراض المزمنة.

كما شددت الوزارة على ضرورة التوجه فوراً إلى أقرب مرفق صحي عند الشعور بالدوار، أو الإغماء، أو الصداع الشديد، أو غيرها من أعراض ضربات الشمس، مؤكدة أن الوقاية تبقى الوسيلة الأهم لتجنب المضاعفات.

وامتدت تداعيات الموجة الحارة إلى القطاع التعليمي، إذ علقت جامعة البحر الأحمر الدراسة مؤقتاً حفاظاً على سلامة الطلاب، فيما باشرت السلطات المحلية رش الشوارع والطرقات الرئيسية بالمياه للتخفيف من وطأة الحرارة.

 

لا أحد ينام… إفادات سكان للعربية. نت من قلب المدينة

وفي إفادة ل«العربية.نت»، تصف المواطنة رميساء سليمان ما تعيشه بورتسودان بأنه “لا يوصف”، مؤكدة أن الحرارة والرطوبة جعلتا النوم شبه مستحيل.

 

وقالت ل«العربية.نت» إن كثيراً من السكان لم يتمكنوا من النوم منذ ثلاثة أيام بسبب شدة الحرارة والرطوبة، مضيفة أن الأحاديث المتداولة بين الأهالي تتحدث عن تزايد حالات الإصابة بضربات الشمس، فيما يربط بعض السكان بين موجة الحر وحالات وفاة، من دون إعلان رسمي يؤكد حصيلة محددة.

وأضافت أن انقطاع التيار الكهربائي استمر لنحو ثلاثة أيام، ولم يعد إلا لنحو ساعة ونصف، قبل أن ينقطع مجدداً، الأمر الذي ضاعف الطلب على الثلج، وسط نقص في المعروض وتقلب مستمر في الأسعار.

وأشارت إلى أن أزمة المياه تفاقمت هي الأخرى، مع شح الإمدادات وارتفاع الأسعار، بينما بات الحصول على ألواح الثلج يتطلب ساعات من الانتظار، وغالباً ما تنفد الكميات فور وصولها إلى نقاط البيع.

وأفاد سكان ل«العربية.نت» بأن اجتماع الحرارة المرتفعة مع الرطوبة، وانقطاع الكهرباء، وشح المياه، جعل الحياة اليومية أكثر مشقة، وبات النوم ليلاً تحدياً حقيقياً، فيما اضطر كثيرون إلى البقاء في الظل أو تقليل الحركة خلال ساعات النهار.

 

حرارة قياسية وخدمات متعثرة… تحديات تتجاوز الطقس

وزادت أزمة الكهرباء تعقيداً بعدما أعلنت وزارة الطاقة اندلاع حريق في أحد كوابل محطة توليد كهرباء سد مروي، ما أدى إلى تأثر الإمداد الكهربائي في ولايات البحر الأحمر، والخرطوم، ونهر النيل، والشمالية.

وقالت الوزارة إن فرق الدفاع المدني والفرق الفنية تمكنت من السيطرة على الحريق، فيما تتواصل أعمال الإصلاح والصيانة لإعادة التيار الكهربائي، مقدمة اعتذارها للمواطنين عن الانقطاع الخارج عن الإرادة.

وتزامنت موجة الحر مع تصاعد حالة الاحتقان الشعبي في عدد من مدن ولاية البحر الأحمر بسبب استمرار انقطاعات التيار الكهربائي.

ففي مدينة سواكن، أغلق محتجون الطريق القومي احتجاجاً على الانقطاعات الطويلة للكهرباء، فيما شهدت مدينة جبيت احتجاجات مماثلة، إذ أغلق مواطنون الطريق القومي اعتراضاً على برمجة انقطاعات الكهرباء، وقالوا إن القرار حرم مدينتي جبيت وسنكات من الإمداد الكهربائي لساعات طويلة.

وفي بورتسودان، حيث بلغت درجة الحرارة المحسوسة نحو 50 درجة مئوية، وفق إفادات متداولة، زادت برمجة انقطاع التيار الكهربائي، التي يقول سكان إنها تصل إلى نحو 18 ساعة يومياً، من معاناة الأهالي، إذ أدى غياب الكهرباء إلى تعطل وسائل التبريد، وارتفاع الطلب على المياه والثلج، في وقت تواصل فيه السلطات الصحية تحذيراتها من مخاطر الإجهاد الحراري وضربات الشمس.

ويرى مراقبون أن ما تشهده بورتسودان يعكس تداخلاً بين الضغوط المناخية والتحديات الخدمية، إذ تؤدي موجات الحر الشديدة إلى زيادة الطلب على الكهرباء والمياه، في وقت تعاني فيه البنية التحتية من ضغوط متزايدة، الأمر الذي يضاعف الأعباء الصحية والإنسانية.

وبين الإنذار الأحمر الذي أطلقته هيئة الأرصاد، وتحذيرات وزارة الصحة، وشهادات السكان عن ليالٍ بلا نوم، والاحتجاجات المتصاعدة بسبب انقطاع الكهرباء، تبدو بورتسودان أمام واحد من أصعب اختبارات الصيف في تاريخها الحديث، فيما يترقب السكان انحسار موجة الحر وعودة استقرار خدمات الكهرباء والمياه، أملاً في أن تنتهي أيام اللهيب التي فرضت إيقاعها على المدينة الساحلية.