دمعة بين يافطتين؟!
الجَميل الفاضل يكتب:
لم تكن رحلتي إلى مقبرة بني ياس أمس الجمعة مجرد زيارةٍ لقبرين.
كانت رحلةً إلى الحقيقة، يوم تخلع الحقيقةُ آخر أقنعتها، وتقف عاريةً أمام القلب.
كنت أظن أنني ذاهب لأقرأ الفاتحة على روح أخي الأصغر «يوسف».
لكنني وجدت نفسي أقرأ عمري كله، وأقرأ الرحم الأول الذي جمعنا قبل أن تفرّقنا السنون.
هناك، في هذه المقبرة التي رافقني إليها رجلٌ إنسان اسمه «بشير»، وشاعرٌ هو تاج من سرّ الختم، لا تتكلم إلا الحجارة، ولا ترتفع إلا الأرواح، ولا يبقى من ضجيج الدنيا غير اسمٍ يوشك أن يذوب، ورقمٍ منقوشٍ على شاهدٍ صامت.
وقفتُ، لم أكن أبحث عن قبر يوسف، لكنني كنت أبحث عن ذلك الجزء الذي مضى مني معه.
فالذين يخرجون من رحمٍ واحد لا يتجاورون في النسب فقط، لكنهم يتقاسمون سرًّا لا تراه العيون؛ كأنّ الخالق قد وضع في روح كلّ واحدٍ منهم قطعةً من روح الآخر، حتى إذا غاب أحدهما، ظلّ الثاني يمشي وفي داخله فراغٌ لا يعرف له وصفًا ولا اسمًا.
آهٍ يا ابن أمي، يا شقيق الروح، ويا رفيق الكلمة، ويا شريك الدهشة، ويا صاحب الليالي التي كنا نطيل فيها السهر حتى مطلع الفجر بين القراءة والكتابة والكلام.
لقد خرجتَ من السودان كما يخرج الطائر من بيتٍ اشتعلت فيه النار.
كنت تفرّ من موتٍ يطارد الناس بلا أسماء، من رصاصٍ لا يسأل القلوب لمن تنبض، من حربٍ فقدت وجهها، حتى صار القاتل لا يعرف من قتل، ولا المقتول يعرف لماذا قُتل.
كنت تظنّ أن الطريق إلى النجاة أطول من الطريق إلى الأجل.
لكن الأجل كان أقرب؛ كان ينتظرك في أرضٍ قصدتَها لتنجو.
فإذا بك تبلغ الموعد الذي لم يتأخر عنك لحظةً واحدة، ولم يتقدم عليك لحظةً واحدة.
وكأنّ المنايا تعرف بدقة عناويننا الأخيرة، فيما نحن ما زلنا منشغلين برسم خرائط عريضة للأمل.
رغم التنبيهات الدائمة قبل السفر، بربط أحزمة هذه النفوس، التي تقول حرفيًّا:
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾
ما أعظمها من آية، لكن ما أكثر ما نمرّ عليها، حتى يوقظها القدر فينا هكذا بموت من نحبّ.
بلغتُ أمس قبرك، فلم أقرأ اسمك أيها الصديق، لكنني قرأتُك رقمًا فقط: (1038).
رقمًا ظللتُ أحدّق فيه طويلًا، لأسأل نفسي: كيف يستطيع رقمٌ صغير أن يحمل عمرًا حافلًا بكل جميل؟
أين الطفل الذي حملته أمّنا؟
أين الشاب الذي كبر ورائي؟
أين الرجل الذي جاورني في الفكر، وفي الصحافة، وفي محبة الحرف؟
أين ابتسامتك المترفقة التي كانت؟
أين اختلافاتنا الودودة الحميمة؟
أين ليالينا التي كانت تنتهي دائمًا إلى حلمٍ جديد؟
كيف ذابت حياةٌ كاملة في أربعة أرقام؟
ثم أدركتُ أن الرقم في مقبرة بني ياس لا يدلّ على الإنسان، بل يدلّ على موضع مواراة الجسد، أما الإنسان فيسكن أثرُه.
ثم التفتُّ، فإذا الرقم الذي يجاور رقمك مباشرة: (1039).
على بعد عشرات السنتيمترات، كان يرمز لمرقد «هدى»، رفيقة دربك ورحلتك وحياتك ومماتك.
كانت رفيقة المنفى ورفيقة المصير إلى آخر نفس من حياتكما.
حتى ذلك الموت الذي يفرّق بين كل شيء، استحيا أن يفرّق بينكما.
هكذا جاورتكما الحياة، وجاوركما النزوح، ثم جاوركما اللجوء، وجاوركما الدعاء، ثم جاوركما التراب.
وكأنّ القدر، بعد أن كتب عليكما الرحيل معًا، أبى أن يترك بينكما مسافةً يتسلل منها الغياب.
جثوتُ أمس واقفًا عند رأسك، بيد أنني لم أشعر أنني أحدّث ترابًا.
كنت أحدّث حبيبًا أعرف أنه يسمعني بطريقةٍ لا أعرفها.
وكان صمتك داخل قبرك أبلغ من كلّ الكلمات التي قلتها في ذلك المكان.
هناك عادت بي ذاكرتي البيولوجية إلى رحمنا الأول، وقت كنا جنينين تكورا في ذات الحيّز من المكان على اختلاف في الزمان.
حين لم يكن بيننا اسم، ولا عمر، ولا مهنة، ولا وطن، ولا حرب.
فقط كان يجمعنا دمٌ واحد، وقلبٌ واحد، ودعاءُ أمٍّ واحدة.
قلتُ في نفسي: أيُّ سرٍّ هذا الذي يجعل الرحم يظلّ قائمًا، حتى بعدما فرّقتنا الأجساد بين باطن الأرض وظاهرها؟
وأيُّ عهدٍ وثّقه الخالق بيننا، حتى إذا غاب أحدنا ترك الآخر يحمل نصف ذاكرة ونصف قلب؟
على أية حال، منذ ذلك اليوم، 18 مايو الماضي، لم تعد بني ياس مكانًا خارج ذاتي وتكويني.
فقد صارت قطعةً من دمي، وصار الطريق إليها طريقًا إليك.
فالإنسان لا ينتمي فقط إلى الأرض التي وُلد عليها، لكنه ينتمي أيضًا إلى الأرض التي تحتضن أحبّته.
عمومًا، خرجتُ من المقبرة، لكنها لم تخرج مني.
فقد تركتُ خلفي وأنا أغادر ذلك المكان حجرين ورقمين ودمعتين.
لأدرك أن الغربة ليست في أن يموت الإنسان بعيدًا عن وطنه، إنما الغربة هي في أن يُدفن نصف قلبك بأرضٍ أخرى، ثم يُطلب منك أن تواصل الحياة بقلبٍ لم يعد كاملًا.
فيا يوسف، أيها الخارج معي من رحم أمّنا الواحدة «مريومة»، والعائد قبلي إلى رحم الأرض، ألا ما أبعد المسافة بين هذين الرحمين، وما أقربها في ذات الوقت!
فعندما خرجنا من الرحم الأول كنّا ننسى أننا قد بدأنا رحلةً لا بد أن تنتهي يومًا ما، قبل أن نكتشف، متأخرين جدًّا، أن الرحلة كلها لم تكن إلا رحلة إياب، ليس مكتوبًا على تذكرتها تاريخ أو ساعة مغادرة.
غير أن من وضعوا على شاهدك الرقم (1038)، ووضعوا على شاهد هدى الرقم (1039)، لم يستطيعوا أن يرقّموا محبتكما، ولا شراكتكما،
ولا وفاءكما، ولا حتي ذلك الرحم الذي ما زال يخفق في داخلي كلما ناديتُ اسمك.
كما لم يستطيعوا أن يضعوا رقمًا لذاكرتك، ولا لصوتك، ولا للأثر العميق الذي تركه فقدك في حياتي.
فالإنسان، في ميزان آخر، ليس هو الاسم الذي يكتبه الناس، ولا الرقم الذي تنقشه المقابر، ولا هو التاريخ الذي يفصل بين الميلاد والرحيل.
فالإنسان هو ما يتركه من نورٍ في قلوب الذين أحبّهم.
هو الأثر الذي يعجز التراب عن دفنه.
وهو الرحمة التي تبقى تمشي بين الناس وإن غاب صاحبها.
فالموت لا يوجع الموتى، إنما الموت يوجع الأحياء، كما قال محمود درويش.
فسلامٌ عليك يا يوسف:
يوم كنتَ جنينًا حلّ من بعدي في رحم أمّي، وسلامٌ عليك يوم كنتَ أخًا يقتسم معي الخبز والكلمة والحلم، ويوم خرجتَ من وطنٍ يحترق تبحث عن فسحة حياة، فاستقبلك أجلك بهذه الديار، وسلامٌ عليك يوم ووريتَ الثرى، وسلامٌ عليك يوم يبعثك الله حيًّا، حيث لا أرقام هناك ولا شواهد ولا فراق.
هناك لا يبقى إلا الوجه الذي لا يغيب، ولا يبقى إلا الحب الذي لا يموت.
ثم أقول:
اللهم يا من جمعتَ بيننا أول مرة في ظلمات الرحم، ثم فرّقتَ بيننا بحكمة الأجل، فلا تجعل التراب آخر العهد بيننا.
اللهم اجمع يوسف وهدى في مستقرّ رحمتك، واجعل قبريهما روضةً من رياض الجنة، وافتح لهما من نسائم رضوانك ما يبدّد وحشة الغربة ووحشة القبور.
اللهم إن كانت الأرحام قد جمعتنا في الدنيا مرة، فاجمعنا في الآخرة جمعًا لا فراق بعده، في جوارك الكريم، حيث لا تُكتب على الأبواب أرقام، ولا تُقام شواهد على القبور، ولا يودّع أخٌ أخاه، ولا يفقد قلبٌ نصفه.
واجعل اللهم اللقاء المقبل، يا أرحم الراحمين، هو اللقاء الذي لا يعقبه وداع.
آمين.
