
ما هي أسباب الحروب الأهلية وتبعاتها؟ (3 من 17)
كيف تُطيل التدخلات الخارجية أمد الحروب الأهلية بدلاً من إنهائها؟ دروسٌ للسودان ولغيره من البلدان
كثيراً ما يُنظر إلى التدخلات الخارجية في الحروب الأهلية على أنها وسيلة لتسريع إنهاء النزاعات وفرض السلام. غير أن الأدلة النظرية والتجريبية تشير إلى أن هذا الاعتقاد لا يصح في معظم الحالات، بل قد يكون مضللًا. فحين تنحاز قوى خارجية إلى أحد أطراف الحرب، فإنها لا تغيّر ميزان القوى فحسب، بل قد تُطيل أمد الصراع، وتفاقم كلفته الإنسانية، وتؤخر فرص التوصل إلى تسوية سياسية مستدامة. ويناقش هذا المقال نتائج ورقة بحثية بعنوان “التدخلات الخارجية وأمد الحروب الأهلية”، نشرتها عام 2000 بالاشتراك مع البروفيسور نيكولاس سامبانيس، أستاذ العلوم السياسية بجامعة ييل، الذي كان آنذاك باحثاً ضمن مجموعة أبحاث التنمية بالبنك الدولي، في إطار مشروع بحثي رائد حول الاقتصاد السياسي للحروب الأهلية. (ويُورد المرجع الكامل للورقة في نهاية هذا المقال).
وتُعد هذه الورقة من أوائل الدراسات التي تناولت، بمنهجية نظرية وتجريبية، أثر التدخلات الخارجية على أمد الحروب الأهلية. كما يربط هذا المقال بين نتائجها والتطورات التي شهدتها الأدبيات خلال ربع القرن الماضي، ويستخلص منها دروساً مباشرة للحرب الدائرة في السودان اليوم.
الأدلة التجريبية والبيانات
قدمت البيانات الأولية أول مؤشر على العلاقة بين التدخلات الخارجية وأمد الحروب الأهلية. فاستناداً إلى قاعدة بيانات دولية شملت 138 حرباً أهلية، تبين أن 89 منها شهدت نوعاً من التدخل الخارجي، بإجمالي 190 حالة تدخل منفصلة. والأكثر دلالة أن الحروب التي شهدت تدخلات خارجية استمرت، في المتوسط، نحو تسع سنوات، مقارنةً بنحو سنة ونصف فقط للحروب التي لم تشهد مثل هذه التدخلات. وتشير هذه المقارنة إلى وجود ارتباط قوي بين التدخل الخارجي وإطالة أمد الحرب.
غير أن هذه الأدلة الوصفية، على أهميتها، لا تكفي لإثبات وجود علاقة سببية. فالحروب الطويلة والأكثر دموية قد تكون، بطبيعتها، أكثر قدرة على جذب التدخلات الخارجية، مما يعني أن التدخل قد يكون نتيجةً لطول الحرب، وليس سبباً له. ومن ثم، كان لا بد من تطوير إطار نظري ونموذج قياسي يسمحان بعزل الأثر السببي للتدخل الخارجي، بعد التحكم في العوامل الأخرى التي تؤثر في اندلاع الحروب الأهلية واستمرارها. ولهذا الغرض، طورنا نموذجاً نظرياً واختبرناه باستخدام واحدة من أكبر قواعد البيانات الدولية المتاحة آنذاك، والتي غطت 161 دولة على مدى ما يقرب من أربعة عقود. وأظهرت النتائج بوضوح أن التدخل الخارجي المنحاز يطيل أمد الحروب الأهلية من خلال تعزيز القدرات العسكرية لأحد الطرفين المتحاربين أو كليهما، بما يسمح باستمرار القتال لفترة أطول مما كانت تسمح به الموارد المحلية وحدها.
نظرية جديدة لمقاربة محددات أمد الحروب الأهلية
ولكي نفهم كيف يؤثر التدخل الخارجي في أمد الحروب الأهلية، لم يكن كافياً الاعتماد على المقارنات الإحصائية وحدها، بل كان لا بد من تطوير إطار نظري يفسر الآلية التي يحدث من خلالها هذا الأثر. ولهذا الغرض، قدمت الورقة نموذجاً رياضياً ديناميكياً يستند إلى ما يعرف في الأدبيات بإطار “المفترس والفريسة: ” Predator-Prey، وهو نموذج يُستخدم لتحليل التفاعل بين قوتين متنافستين تتغير قدراتهما بمرور الزمن. وينطلق النموذج من فرضية بسيطة، لكنها بالغة الأهمية، وهي أن أمد الحرب الأهلية لا يتحدد بمدى قوة الطرف الأقوى، وإنما بقدرة الطرف الأضعف على الاستمرار في القتال. فطالما استطاع هذا الطرف تجنيد المقاتلين، وتعبئة الموارد، والحفاظ على موطئ قدم ميداني، وتجنب الانهيار العسكري، فإن الحرب ستستمر، حتى لو كان ميزان القوى يميل بوضوح إلى خصمه. وفي هذا السياق، يؤدي التدخل الخارجي دوراً حاسماً، لأنه يغير هذه المعادلة مباشرة. فالدعم العسكري أو المالي أو اللوجستي الذي تتلقاه الحكومات أو الحركات المسلحة يخفف القيود التي تفرضها الموارد المحلية، ويعزز قدرة الأطراف المتحاربة على مواصلة القتال. وبدلاً من أن يُحسم الصراع عندما تستنفد الأطراف إمكاناتها الذاتية، يؤدي التدخل الخارجي إلى إطالة أمد المواجهة من خلال إعادة تغذية القدرات العسكرية والمالية للأطراف المتحاربة.
وبذلك، يقدم النموذج تفسيراً مختلفاً للحروب الأهلية؛ فهي ليست مجرد مواجهة يحسمها الطرف الأقوى عسكرياً، وإنما عملية ديناميكية تتأثر باستمرار بتغير الموارد والحوافز. ومن هذا المنظور، يصبح التدخل الخارجي عاملاً يعيد تشكيل التوازن الاستراتيجي بين الأطراف المتحاربة، ويغير المسار الطبيعي للحرب، وهو ما شكل الأساس النظري الذي استندت إليه الاختبارات القياسية في الورقة البحثية.
لماذا أخطأت الحكمة التقليدية؟
عندما أُنجزت هذه الدراسة، كانت الحكمة السائدة في الأدبيات تفترض أن التدخل الخارجي قد يسهم في تقصير أمد الحروب الأهلية. فقد كان المنطق بسيطاً: إذا حصل أحد طرفي النزاع على دعم عسكري أو مالي حاسم، فسيميل ميزان القوى لصالحه، وقد يُفضي ذلك إلى نصر سريع أو يدفع الطرف الآخر إلى قبول التسوية. ومن ثم، كان يُنظر إلى التدخل الخارجي بوصفه وسيلة محتملة لتسريع إنهاء الحرب. غير أن هذا المنطق استند، في جوهره، إلى تصور مستمد من الحروب التقليدية بين الدول، حيث قد يؤدي التفوق العسكري الواضح إلى حسم الصراع خلال فترة قصيرة. أما الحروب الأهلية فتختلف جذرياً، إذ يغلب عليها طابع الاستنزاف، ولا يكون السؤال الحاسم فيها أيُّ الطرفين أقوى في لحظة معينة، بل أيُّهما أقدر على الاستمرار في القتال لفترة أطول.
ومن هذا المنظور، فإن الدعم الخارجي لا يحسم الحرب بالضرورة، بل يغيّر حسابات أطرافها. فكلما حصل أحد الأطراف على موارد إضافية، ارتفعت قدرته على مواصلة القتال، كما ازدادت توقعاته بإمكان تحقيق مكاسب مستقبلية من خلال الاستمرار في الحرب. وفي المقابل، كثيراً ما يدفع هذا الدعم الطرف الآخر إلى البحث عن داعمين خارجيين جدد، فتتحول الحرب تدريجياً إلى ساحة تنافس إقليمي أو دولي، ويتراجع الحافز لدى الجميع للبحث عن تسوية سياسية.
وهكذا، فإن الخطأ في الحكمة التقليدية لم يكن في افتراض أن التدخل الخارجي يؤثر في مسار الحرب، وإنما في افتراض أن هذا التأثير يقود بالضرورة إلى حسمها سريعاً. أما ما بينته الورقة البحثية، فهو أن التدخلات الخارجية المنحازة كثيراً ما تُبقي الأطراف المتحاربة في حالة توازن عسكري غير حاسم، بما يحول الحرب إلى صراع استنزاف طويل الأمد بدلاً من تقريب نهايتها.
ما وراء الاستقطاب الإثني
من أبرز الإسهامات النظرية لهذه الورقة أنها وسّعت الإطار التفسيري الذي قدمته الأدبيات السابقة بشأن محددات أمد الحروب الأهلية. فقد كان السير البروفيسور بول كوليير – أستاذ الاقتصاد بجامعة أكسفورد- وزملاؤه قد بيّنوا، في أعمالهم الرائدة، أن الحروب الأهلية تميل إلى الاستمرار لفترات أطول في المجتمعات التي تعاني من مستويات مرتفعة من الاستقطاب الإثني (أى إنقسام هوياتى عمودى بين مجموعتين كبيرتين أو ثلاثة)، حيث تستطيع الجماعات المتنافسة تعبئة الموارد البشرية والاجتماعية اللازمة لإدامة الصراع.
ولم تختلف ورقتنا مع هذه النتيجة، لكنها جادلت بأن الاستقطاب الداخلي ليس العامل الوحيد الذي يحدد مدة الحرب، وأن تأثيره قد يتراجع عندما تتدخل أطراف خارجية لتوفير الدعم العسكري أو المالي أو اللوجستي لأحد أطراف النزاع. ففي هذه الحالة، لا يعود استمرار الحرب معتمداً على الموارد المحلية وحدها، بل يصبح مرتبطاً أيضاً بالموارد التي يوفرها الرعاة الخارجيون. وبذلك، يغيّر التدخل الخارجي الآليات التي تحكم استمرار الحرب. فحتى في المجتمعات المتنوعة هوياتياً لكنها لا تشهد استقطاباً إثنياً حاداً، قد يؤدي تدفق الموارد الخارجية إلى تمكين الحكومات أو الحركات المسلحة من مواصلة القتال لفترة أطول مما تسمح به إمكاناتها الذاتية أو قاعدتها الهوياتية المحدودة. ومن ثم، فإن التدخل الخارجي لا يمثل مجرد عامل إضافي ضمن مجموعة العوامل المفسرة للحرب، بل متغيراً يعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية للصراع، ويؤثر في العلاقة بين العوامل الداخلية وأمد الحرب الأهلية.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأنها تنقل تفسير الحروب الأهلية من التركيز الحصري على الخصائص الداخلية للمجتمعات إلى تحليل التفاعل بين العوامل المحلية والإقليمية والدولية. فالحروب الأهلية لا تُفسَّر فقط بما يحدث داخل حدود الدولة، وإنما أيضاً بما يحيط بها من مصالح وتنافس خارجى قد تسهم، بقصد أو بغير قصد، في إطالة أمد النزاع.
التدخلات المنحازة مقابل عمليات السلام متعددة الأطراف
لعل أهم ما يميز هذه الورقة هو أنها لا ترفض التدخل الدولي في حد ذاته، وإنما تميز بوضوح بين نوعين مختلفين جذرياً من التدخلات. يتمثل النوع الأول – والذى تحدثنا عنه أعلاه – في التدخلات الخارجية المنحازة، حيث تقدم دولة أو مجموعة من الدول دعماً عسكرياً أو مالياً أو لوجستياً أو سياسياً لأحد أطراف الحرب بهدف تعزيز موقعه العسكري أو السياسي. وقد بينت الورقة أن هذا النوع من التدخلات يؤدي، في الغالب، إلى إطالة أمد الحرب من خلال تغيير ميزان الحوافز وتشجيع الأطراف المتحاربة على مواصلة القتال بدلاً من البحث عن تسوية سياسية.
أما النوع الثاني، فيتمثل في عمليات السلام متعددة الأطراف التي تُنفذ بموجب تفويض من الأمم المتحدة أو غيرها من المؤسسات الدولية ذات الشرعية القانونية. ولا تهدف هذه العمليات إلى ترجيح كفة أحد أطراف النزاع، وإنما إلى تهيئة الظروف التي تسمح بإنهاء الحرب والانتقال إلى سلام مستدام. ولهذا، فإنها تركز على مراقبة وتنفيذ وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (Disarmament, Demobilization, and Reintegration: DDR))، وإصلاح القطاع الأمني (Security Sector Reform: SSR)، والعدالة الانتقالية، وتهيئة البيئة الآمنة لانتقال سياسي شامل يقوده المدنيون.
ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة في النقاشات الدائرة حول السودان، حيث يُخلط أحياناً بين إخفاقات التدخلات المنحازة وبين دور عمليات السلام التي تتمتع بشرعية دولية. غير أن الورقة تؤكد أن هذين النموذجين يختلفان في الأهداف والوسائل والنتائج. فبينما تعمل التدخلات المنحازة على زيادة الموارد المتاحة للأطراف المتحاربة، تسعى عمليات السلام متعددة الأطراف إلى تقليص الحوافز لتبنى الخيار العسكرى وتصفية كافة أشكال الدعم الخارجى له، وبالتالى خلق بيئة مواتية للتفاوض، واستعادة احتكار الدولة المشروع لاستخدام القوة في إطار عملية انتقال سياسي شاملة.
ومن هذا المنطلق، فإن الدرس الذي تقدمه الورقة للسودان ليس الدعوة إلى الانكفاء عن المجتمع الدولي، وإنما التمييز بين التدخلات التي تُغذي الحرب، وتلك التي تساعد على إنهائها. فالبديل للتنافس الإقليمي والدولي على دعم أطراف النزاع ليس غياب الدور الدولي، بل قيام عملية سلام محايدة ومتعددة الأطراف، تستند إلى الشرعية الدولية، وتضع إنهاء الحرب وحماية المدنيين وبناء الدولة في مقدمة أولوياتها.
كيف أكدت الأدبيات اللاحقة نتائج هذه الدراسة؟
ولعل من اللافت أن الأدبيات التي تطورت خلال ربع القرن الماضي جاءت، في معظمها، مؤيدة للفرضية الرئيسة التي طرحتها هذه الورقة. فقد بيّنت البروفيسورة باربرا والتر، أستاذة العلوم السياسية بجامعة كاليفورنيا في سان دييغو، أن الدعم الخارجي يضعف الحوافز اللازمة للتوصل إلى تسويات سياسية، لأنه يمنح الأطراف المتحاربة أملاً متجدداً في تحقيق مكاسب عسكرية بدلاً من تقديم التنازلات. كما أوضح البروفيسور أليكس دي وال، الباحث البارز في شؤون القرن الأفريقي والمدير التنفيذي لمؤسسة السلام العالمي بجامعة تافتس، من خلال نموذج “السوق السياسية: “Political Marketplace، كيف تتحول الموارد والدعم الخارجي إلى جزء من اقتصاد الحرب، بما يجعل استمرار الصراع مصدرًا للمكاسب السياسية والاقتصادية لبعض الفاعلين المحليين والإقليميين.
ومن زاوية مختلفة، ركزت أدبيات بناء السلام على سؤال لا يقل أهمية: كيف يمكن الانتقال من وقف القتال إلى بناء سلام مستدام؟ فقد بيّن البروفيسور أوليفر ريتشموند، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة مانشستر، أن الاتفاقات التي تقتصر على النخب المسلحة قد تنجح في إنهاء القتال، لكنها كثيراً ما تفشل في بناء شرعية سياسية مستدامة ما لم تستند إلى مشاركة مجتمعية واسعة. كما أوضح البروفيسور رولاند باريس، أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية بجامعة أوتاوا، أن بناء السلام لا يتحقق بمجرد تقاسم السلطة أو إجراء انتخابات مبكرة، وإنما يتطلب بناء مؤسسات دولة قادرة وشرعية قبل الانتقال الكامل إلى المنافسة السياسية. وأضاف البروفيسور تشارلز ت. كول، أستاذ العلاقات الدولية وبناء السلام بالجامعة الأمريكية في واشنطن، أن استدامة السلام تعتمد في المقام الأول على قدرة الدولة على اكتساب الشرعية من خلال مؤسسات شاملة وخاضعة للمساءلة، لا من خلال الترتيبات الأمنية وحدها.
وهكذا، فإن ما بدأ في هذه الورقة باعتباره تفسيراً لدور التدخلات الخارجية في إطالة أمد الحروب الأهلية، تطور في الأدبيات اللاحقة إلى إطار أشمل يربط بين ديناميكيات الحرب، وشرعية الدولة، وتصميم عمليات السلام، وبناء المؤسسات بعد النزاعات. ومن ثم، فإن الرسالة التي قدمتها هذه الدراسة قبل أكثر من خمسة وعشرين عاماً لم تعد مجرد فرضية بحثية، بل أصبحت جزءاً من فهمٍ أوسع يحظى بتأييد متزايد في الأدبيات المعاصرة حول الحروب الأهلية وبناء السلام.
خاتمة: ماذا تعني هذه النتائج بالنسبة للسودان
تكتسب نتائج هذه الورقة أهمية خاصة بالنسبة للسودان في ظل الحرب التي اندلعت في أبريل 2023. لقد كان السؤال الذي طرحته هذه الورقة قبل أكثر من خمسة وعشرين عاماً هو: هل تُقصِّر التدخلات الخارجية أمد الحروب الأهلية أم تُطيله؟ أما جوابها، الذي أكدته الأدلة وتجارب العقود اللاحقة، فهو أن التدخلات المنحازة كثيراً ما تُطيل الحروب، في حين تظل عمليات السلام المحايدة ومتعددة الأطراف السبيل الأجدى لإنهائها. ولذلك، فإن الخيار الذي يواجه السودان اليوم ليس بين التدخل الدولي وعدم التدخل، بل بين استمرار الحرب بالوكالة، أو الانخراط في عملية سلام تستند إلى الشرعية الدولية والإرادة الوطنية.
ولهذا السبب، دعوتُ باستمرار، على مدى العامين الماضيين، إلى إطلاق عملية سلام محايدة ومتعددة الأطراف، تقودها الأمم المتحدة. فهدف هذه العملية ليس ترجيح كفة أيٍ من طرفى الحرب، بل إعادة تشكيل الحوافز بما يدفع أطراف النزاع إلى الانتقال من منطق الحرب إلى منطق التسوية السياسية. ولتحقيق ذلك، توفر العملية إطاراً مؤسسياً متكاملًا يشمل تنفيذ وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم إعادة بناء القوات النظامية والمؤسسات العدلية في سياق برنامج شامل لإصلاح القطاعين الأمني والعدلي، وتعزيز العدالة الانتقالية، وتهيئة البيئة الآمنة لانتقال سياسي شامل يقوده المدنيون.
قد يرى بعض المراقبين للشأن السوداني أن هذه الرؤية، رغم وجاهتها، تصطدم بواقع الانقسامات داخل المجتمع الدولي، وأن التوافق على إطلاق عملية سلام أممية متعددة الأبعاد قد لا يكون ممكناً في الظروف الراهنة، الأمر الذي يفرض القبول بترتيبات سلام أقل طموحاً وأكثر واقعية، حتى وإن لم تكن مثالية. غير أن هذا التقدير يغفل حقيقة أساسية، وهي أن مواقف المجتمع الدولي ليست ثابتة، بل تتأثر بدرجة كبيرة بوضوح الإرادة الوطنية وتنظيمها. فإذا نجحت غالبية القوى المدنية الديمقراطية السودانية في التوافق على تفويض كتلة مدنية حرجة تتولى صياغة ميثاق وطني يفضي إلى عقد اجتماعي واضح المعالم، ثم دعمت هذا المشروع بحراك سلمي واسع، عبر المسيرات والمواكب والعرائض داخل السودان، حيثما أمكن، وفي أوساط الدياسبورا السودانية في مختلف أنحاء العالم، على غرار ما شهدته ثورة ديسمبر المجيدة، فإن ذلك سيبعث برسالة قوية إلى المجتمعين الإقليمي والدولي بأن للسودانيين رؤية وطنية موحدة تستحق الدعم. وعندئذ، ستزداد فرص حشد التأييد الدولي لعملية سلام محايدة ومتعددة الأطراف، لأن الشرعية الدولية كثيراً ما تستجيب، في نهاية المطاف، لشرعية الإرادة الوطنية عندما تُعبِّر عن نفسها بوضوح وتنظيم وإصرار.
إذا التَفَّ حَولَ الحَقِّ قَومٌ فَإِنَّهُ *** يُصَرِّمُ أَحداثَ الزَمانِ وَيَبرُمُ
المرجع:
Elbadawi, Ibrahim and Nicholas Sambanis. 2000. “External Interventions and the Duration of Civil Wars”. World Bank Policy Research Working Paper No. 2433.
