
نجت من الحرب.. هل تخسر جامعة الخرطوم أشجارها المعمّرة
الخرطوم/الغد السوداني -بينما تستعيد جامعة الخرطوم أنفاسها بعد الحرب التي امتدت إلى حرمها، برزت قضية جديدة أثارت استياء طلاب وخريجين، لكن هذه المرة لا تتعلق بالمباني التي تضررت خلال القتال، بل بالأشجار المعمّرة التي ظلّت لأكثر من قرن جزءاً من هوية الجامعة وذاكرتها.
الجدل اندلع عقب نشر الطالب محمد تاج السر مناشدة موجّهة إلى مدير الجامعة، البروفيسور عماد الدين عرديب، دعا فيها إلى التدخل الفوري لوقف عمليات قطع الأشجار داخل الحرم الجامعي، معتبراً أن ما يحدث يهدد إرثاً تاريخياً وبيئياً يصعب تعويضه.
في مناشدته، التي حملت عنوان “جامعة الخرطوم.. سلمت من نار الحرب فلم تسلم أشجارها من فأس الحطاب!”، قال تاج السر إن الجامعة خرجت من الحرب بخسائر مادية محدودة نسبياً، رغم وقوعها في قلب العمليات العسكرية، إلا أن الأشجار التي صمدت أمام القصف أصبحت اليوم تواجه خطر الإزالة.
ويقول إنه لاحظ أن عمليات القطع لا تقتصر على التقليم أو إزالة الأغصان، وإنما تمتد إلى جذوع الأشجار من قواعدها، وهو ما يثير مخاوف من القضاء عليها نهائياً.
ويرى الطالب أن خسارة الأشجار قد تكون أفدح من خسارة المباني، لأن المنشآت يمكن ترميمها وإعادة بنائها، بينما تحتاج الأشجار المعمرة إلى عشرات، وربما مئات السنين، حتى تستعيد مكانها، إن أمكن ذلك أصلاً.
ولا يوجه صاحب المناشدة اتهاماً مباشراً لأي جهة، لكنه يطالب إدارة الجامعة بتوضيح أسباب ما يجري، ووقف عمليات القطع إلى حين تقييمها من قبل مختصين في البيئة والغابات، داعياً في الوقت نفسه إلى إطلاق مبادرات للتشجير وإعادة تأهيل المساحات الخضراء داخل الحرم الجامعي، بمشاركة الطلاب والخريجين.
وتكتسب القضية بعداً يتجاوز حدود الجامعة، في بلد يواجه تحديات بيئية متصاعدة، من بينها التصحر وتراجع الغطاء النباتي، في وقت تتجه فيه مؤسسات التعليم حول العالم إلى توسيع المساحات الخضراء باعتبارها جزءاً من البيئة التعليمية والصحة العامة.
أكثر من مجرد أشجار
تُعد أشجار جامعة الخرطوم من أبرز معالم الحرم الجامعي، ويعود تاريخ كثير منها إلى بدايات القرن العشرين، عندما أُنشئت كلية غوردون التذكارية، التي أصبحت لاحقاً جامعة الخرطوم.
وتضم الجامعة أنواعاً من أشجار النيم واللبخ والفيكس والماهوغني وغيرها، وقد شكّلت على مدى عقود غطاءً نباتياً ميّز الحرم الجامعي، ووفّر الظل لآلاف الطلاب، وأصبح جزءاً من الصورة الذهنية للمكان.
كما ارتبطت هذه الأشجار بمحطات سياسية وثقافية عديدة في تاريخ السودان، إذ شهدت ساحاتها اجتماعات طلابية، وندوات، وفعاليات لعبت أدواراً في الحياة العامة، ما جعلها جزءاً من الذاكرة الجماعية لأجيال متعاقبة.
وخلال الحرب التي شهدتها الخرطوم، تعرضت مبانٍ داخل الجامعة لأضرار متفاوتة، لكن كثيراً من الأشجار ظل قائماً، وهو ما يفسر الحساسية التي أثارتها صور قطعها بين الطلاب والخريجين، الذين يرون فيها إرثاً لا يقل أهمية عن المباني التاريخية نفسها.
ويختتم محمد تاج السر مناشدته بجملة تلخص جوهر القضية: “الجامعة التي سلمت من الرصاص، أحق بأن تسلم من الفأس.”
