شريان الإنتاج يتوقف.. تحذيرات من موسم كارثي يهدد الأمن الغذائي

الخرطوم/الغد السوداني- أمين محمد امين

في وقت يترقب فيه السودانيون موسما زراعيا يعول عليه لتخفيف وطأة الأزمات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة، تتصاعد التحذيرات من تعثر الموسم الصيفي بسبب الارتفاع الحاد في أسعار الجازولين والرسوم المفروضة عليه. ويرى مزارعون وخبراء أن أزمة الوقود لم تعد مجرد تحدٍ تشغيلي، بل تحولت إلى تهديد مباشر للأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي، مع مخاوف من تقلص المساحات المزروعة وتراجع الإنتاج في بلد يعتمد على الزراعة بوصفها شريانا رئيسياً للحياة ومصدرا أساسياً للدخل والغذاء.

تحذير مبكر

وفي السياق، حذّر نائب رئيس تجمع مزارعي السودان بالقطاع المطري، غريق كمبال، من تداعيات أزمة الجازولين على الموسم الزراعي الصيفي، مؤكداً أن الرسوم المفروضة على وقود الزراعة أدت إلى ارتفاع أسعاره بصورة مفرطة، مما يهدد المساحة المستهدفة للزراعة هذا الموسم البالغة نحو 30 مليون فدان بمخاطر حقيقية. وطالب كمبال وزارات الزراعة والطاقة والمالية بالتدخل العاجل، كما دعا البنك الزراعي لإعادة جدولة مديونيات المزارعين المعسرين وضمان استقرار العملية الإنتاجية وتفادي أي تراجع في معدلات الإنتاج وتأمين الغذاء.

 

أضرار متعدية

أكدت الكاتبة والباحثة في الشأن الزراعي، أماني الأمين، أن تداعيات زيادة تعريفة الجازولين لا تنحصر في نطاق الزراعة المطرية فحسب، بل تمتد لتضرب في عمق المشاريع المروية الاستراتيجية وفي مقدمتها مشروع الجزيرة الذي يعاني من الأزمة ذاتها. ووصفت الكاتبة هذه الضغوط الاقتصادية بأنها تمثل عبئاً إضافياً يفوق طاقة المواطن والمزارع الذي بات مغلوباً على أمره في ظل الظروف الراهنة.

 

مخاطر إنتاجية

وحذرت أماني الأمين من سيناريو خروج الزراعة المطرية من خارطة الإنتاج خلال هذا الموسم، مؤكدة أن حدوث ذلك سيقود البلاد إلى وضع كارثي ومجاعة محققة، لاسيما أن السودان يعتمد على الزراعة كركيزة أساسية للأمن الغذائي والاقتصاد القومي. وأشارت إلى أن توقف المحركات يهدد مباشرة المساحات المستهدفة ويقلص فرص الاكتفاء الذاتي.

 

ضمانات مصرفية

وفي سياق الحلول، راهنت الباحثة الزراعية على النجاعة الفنية للخطوة الأخيرة التي اتخذها بنك السودان المركزي بشأن تقديم ضمانات وتسهيلات للشركات الوطنية العاملة في مجال استيراد وتوزيع المحروقات. وأوضحت أن هذه الآلية المصرفية قد تسهم في توفير الإمدادات واستقرار أسعار الوقود الخاص بالعمليات الفلاحية إذا تم تنفيذها بالسرعة المطلوبة.

 

تحديات مناخية

واختتمت أماني الأمين إفادتها بالإشارة إلى جملة من المهددات الطبيعية التي قد تصاحب الموسم الحالي جراء التغيرات المناخية المتطرفة وعدم استقرار معدلات الأمطار. وشددت في هذا الصدد على ضرورة التدخل الحكومي العاجل وتبني سياسات مائية مرنة تركز على تفعيل مشروعات حصاد المياه وتطهير القنوات الاستيعابية لتفادي أي تراجع في معدلات الإنتاجية.

 

تأثيرات تشغيلية

من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي، الدكتور هاشم رحمة، أن أزمة الجازولين الزراعي تمثل تهديداً مباشراً لعصب الإنتاج؛ كونه يمثل شريان الحياة للمزارعين. وأوضح د. رحمة أنه تم تنبيه الجهات الحكومية المعنية منذ فترة طويلة بضرورة التركيز على توفير مدخلات الإنتاج في وقت مبكر، وعلى رأسها الوقود بأسعار مدعومة ومعقولة، لتفادي الارتفاع المتصاعد في التكلفة النهائية للمنتجات الزراعية التي تثقل كاهل المواطن والمزارع على حد سواء.

 

عجز تنفيذي

وانتقد د. هاشم رحمة الأداء الحكومي الحالي، واصفاً إياه بالعاجز عن إدارة الملفات الاستراتيجية وافتقار المقاعد الوزارية للكوادر المؤهلة القادرة على مجابهة التحديات الراهنة. ودعا القيادة السياسية إلى الاستعانة بالخبرات الوطنية والكفاءات التراكمية المجربة في القيادة التنفيذية، مستشهداً بالطفرة الزراعية المتقدمة التي تحققت في عهود سابقة تحت قيادة خبراء متخصصين، ومشيراً إلى أن الإبقاء على وزراء يفتقرون للخبرة الميدانية أسهم مباشرة في التراجع الراهن.

 

انهيار نقدي

وفي سياق القراءة المالية، حذر الخبير الاقتصادي من الانهيار المتسارع الذي تشهده مرافق الدولة، لاسيما القطاع المصرفي والنقدي؛ حيث سجلت العملة الوطنية تراجعاً تاريخياً حاداً بوصول سعر الصرف إلى حدود 5500 جنيه مقابل الدولار الأمريكي. ونوه د. رحمة إلى أن مؤشر الهبوط مستمر ما لم تُتخذ معالجات جذرية وسريعة، محذراً من خروج البلاد نهائياً من التصنيف العالمي لاستقرار العملات وتلاشي القدرة الشرائية.

 

استنزاف الموارد

وربط د. هاشم رحمة الأزمة الاقتصادية بالأبعاد السياسية والأمنية التي تمر بها البلاد، موضحاً أن الحرب المفروضة تستهدف استنزاف الموارد الوطنية الشحيحة الموجهة أساساً لتغطية الالتزامات الراهنة. وأشار إلى أن هذا المخطط يسعى لتفكيك مفاصل الدولة والسيطرة على مقدراتها الاقتصادية غير المحدودة عبر واجهات داخلية وقوى إقليمية تدفع نحو تمزيق النسيج التنفيذي والسياسي للبلاد.

 

حكومة حرب

واختتم الخبير الاقتصادي إفادته بتقديم خارطة طريق عاجلة لتدارك الموقف، مشدداً على ضرورة إعلان حالة الاستنفار القصوى، وتشكيل “حكومة حرب” مصغرة تقودها كفاءات وطنية مؤهلة تختص بالمعالجات الاقتصادية الجزئية وسد الثغرات المعيشية، على أن يتفرغ المجلس العسكري للملف الأمني ودحر التمرد. وأكد أن الشارع السوداني ينتظر قرارات حاسمة لتعيين رئيس مجلس وزراء مقتدر يمتلك خبرة تراكمية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ووقف تدحرج البلاد نحو الانهيار الشامل.

 

افق مستقبلي

بين تحذيرات المزارعين في الميدان والمعالجات المصرفية لحصاد المياه، يظل نجاح الموسم الزراعي الصيفي مرهوناً بقدرة القيادة التنفيذية على تحويل هذه التحذيرات إلى حزمة قرارات عاجلة؛ فالوقت لم يعد في صالح الوعود، والشتاء القادم قد يحمل معه ملامح أزمة غذائية لا ترحم إن بقيت محركات الحقول معطلة.