
من “حلف الغدر” إلى حرب هرمز.. هل تكشف أزمة ترامب وإيران أسرار العلاقة الخفية بين طهران وتل أبيب؟
في كل مرة تقترب فيها الولايات المتحدة وإيران من حافة المواجهة العسكرية المباشرة، يعود إلى الواجهة سؤال قديم لم يُحسم بعد: هل الصراع بين إيران وإسرائيل صراع وجودي حقيقي، أم أنه صراع تحكمه المصالح المتغيرة أكثر مما تحكمه الشعارات السياسية؟
هذا السؤال أعاد إحياء الجدل حول كتاب “حلف الغدر: الصفقات السرية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة”، الذي أصدره الباحث الأمريكي الإيراني تريتا بارسي عام 2007، والذي أثار منذ صدوره نقاشًا واسعًا داخل دوائر السياسة والأكاديميا في واشنطن والشرق الأوسط.
وتأتي عودة هذا الجدل في وقت تشهد فيه المنطقة تطورات متسارعة، بعد تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشن ضربات جديدة ضد إيران، وإعادة طهران إغلاق مضيق هرمز، وتعثر المحادثات الأمريكية الإيرانية في سويسرا، وسط استمرار التوتر في لبنان ومخاوف من تداعيات اقتصادية عالمية.
قراءة مختلفة للعلاقات الإقليمية
لا يقدم بارسي في كتابه نظرية مؤامرة بقدر ما يحاول تفسير العلاقات بين القوى الإقليمية من منظور المصالح الاستراتيجية.
فالباحث، الذي أجرى عشرات المقابلات مع مسؤولين ودبلوماسيين من الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، يجادل بأن العلاقات بين طهران وتل أبيب لم تكن دائمًا محكومة بالعداء المطلق، بل شهدت مراحل من التعاون غير المعلن عندما تلاقت المصالح الأمنية للطرفين.
ويستشهد الكتاب بفترة الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، حين كشفت فضيحة “إيران – كونترا” عن وجود قنوات تعاون وتسليح غير مباشرة شاركت فيها أطراف أمريكية وإسرائيلية لصالح إيران، رغم الخطاب العدائي المتبادل في العلن.
بين الصراع والتفاهم
التطورات الحالية تقدم نموذجًا معقدًا لهذا المشهد.
فبينما تتبادل واشنطن وطهران التهديدات، وتلوح إسرائيل باستمرار بالخيار العسكري، لا تزال قنوات التفاوض مفتوحة بصورة أو بأخرى. فالمحادثات التي انعقدت في سويسرا هذا الأسبوع، رغم تعثرها وانسحاب الوفد الإيراني منها، تؤكد أن الدبلوماسية لم تغادر المشهد بالكامل.
وفي المقابل، يرى منتقدو أطروحة “حلف الغدر” أن الوقائع الميدانية خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا الهجمات المتبادلة بين إسرائيل والقوى المدعومة من إيران في سوريا ولبنان، تشير إلى وجود صراع حقيقي يتجاوز مجرد إدارة مصالح مشتركة.
لكن أصحاب المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية يردون بأن الصراعات لا تنفي وجود تفاهمات مؤقتة، وأن التاريخ السياسي مليء بأمثلة خصوم تفاوضوا وتعاونوا في ملفات محددة رغم استمرار العداء بينهم.
هرمز.. عقدة المصالح العالمية
تكشف أزمة مضيق هرمز الحالية طبيعة هذا التشابك.
فالولايات المتحدة تسعى إلى حماية تدفق الطاقة ومنع اضطراب الأسواق العالمية، فيما تستخدم إيران المضيق كورقة ضغط استراتيجية في مواجهة العقوبات والضغوط الغربية.
أما إسرائيل، التي تراقب التطورات عن كثب، فترى في أي اتفاق يحد من البرنامج النووي الإيراني مكسبًا أمنياً، لكنها تخشى في الوقت ذاته من أن يمنح تخفيف العقوبات طهران موارد إضافية لتعزيز نفوذها الإقليمي.
هكذا تبدو المنطقة وكأنها ساحة تتقاطع فيها المصالح أكثر مما تتواجه فيها العقائد.
هل هو تحالف أم تنافس؟
ربما تكمن أهمية كتاب بارسي في أنه يدفع القارئ إلى النظر وراء الخطابات الرسمية، والتساؤل عن الفجوة بين ما يُقال أمام الكاميرات وما يجري داخل غرف التفاوض.
غير أن اعتبار إيران وإسرائيل والولايات المتحدة جزءًا من “حلف” واحد يبقى محل جدل واسع بين الباحثين. فبينما تؤكد الوقائع التاريخية وجود فترات من التعاون غير المباشر، فإنها تظهر أيضًا وجود صراعات حقيقية وحروب بالوكالة ومواجهات عسكرية لم تتوقف لعقود.
ومع تصاعد الأزمة الحالية بين واشنطن وطهران، وعودة التهديدات المتبادلة وإغلاق هرمز وتوتر الجبهة اللبنانية، يبدو أن الشرق الأوسط يدخل فصلًا جديدًا من لعبة التوازنات القديمة؛ لعبة لا تُحسم فيها المعارك بالشعارات وحدها، بل بموازين القوة والمصالح والقدرة على التفاوض.
في نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كانت إيران وإسرائيل والولايات المتحدة أعداء أم حلفاء، بل إلى أي مدى تستطيع هذه القوى تحويل الصراع إلى أداة لإعادة رسم خرائط النفوذ في منطقة دفعت شعوبها، على مدى عقود، الثمن الأكبر من الحروب والتسويات على حد سواء.
