مونديال 2026.. كيف تحولت قمصان المنتخبات إلى تجارة بمليارات الدولارات وأيقونات تتصدر عالم الموضة؟

سهام صالح

صحفية سودانية

في كل نسخة من كأس العالم، تتجه الأنظار إلى النجوم والأهداف والنتائج، لكن خلف المشهد الرياضي الصاخب تدور منافسة أخرى لا تقل شراسة. ففي مونديال 2026، لم تعد قمصان المنتخبات مجرد رمز للانتماء أو وسيلة للتشجيع، بل أصبحت صناعة عالمية بمليارات الدولارات، تتقاطع فيها الرياضة مع الموضة والتسويق والثقافة الشعبية.

خارج المستطيل الأخضر، تخوض شركات الملابس الرياضية ودور الأزياء العالمية سباقاً محموماً للفوز بحصة أكبر من سوق باتت قيمته تتجاوز 6.8 مليار دولار. وبينما يتابع المشجعون المباريات، تتحول القمصان الرسمية إلى سلعة عالمية مطلوبة، وإلى قطعة أزياء تتصدر واجهات المتاجر ومنصات التواصل الاجتماعي.

وتسيطر شركتا “نايكي” و”أديداس” على غالبية أطقم المنتخبات المشاركة في البطولات الكبرى، مستفيدتين من قاعدة جماهيرية ضخمة تمتد عبر القارات. ورغم أن تكلفة تصنيع القميص الواحد لا تتجاوز بضعة يوروهات، فإن النسخ الأصلية الموجهة للمستهلكين تُباع بأسعار تصل إلى 160 دولاراً، ما يكشف حجم الأرباح التي تدور في هذه الصناعة المزدهرة.

لكن العامل الأكثر تأثيراً في حركة السوق يبقى نجوم اللعبة أنفسهم. فكل هدف يسجله ليونيل ميسي أو كيليان مبابي أو كريستيانو رونالدو ينعكس بصورة مباشرة على المبيعات، حيث يسارع الملايين إلى اقتناء القمصان التي تحمل أسماءهم وأرقامهم. وفي كثير من الأحيان، تتحول الانتصارات داخل الملعب إلى مكاسب مالية هائلة للشركات الراعية والمنتجة.

ولم يعد القميص الرياضي حبيس الملاعب والمدرجات. خلال السنوات الأخيرة، فرضت ثقافة “ستريت وير” حضورها بقوة، لتصبح قمصان المنتخبات جزءاً من الأزياء اليومية لدى الشباب حول العالم. فارتداء قميص البرازيل أو إيطاليا أو المكسيك لم يعد مرتبطاً بالانتماء الرياضي فقط، بل أصبح خياراً جمالياً يعكس الذوق الشخصي والهوية البصرية.

هذا التحول لم يمر مرور الكرام على عالم الموضة. فقد ساهمت نجمات ومؤثرات عالميات في إدخال قمصان كرة القدم إلى خزائن الأزياء المعاصرة، بعدما ظهرت أسماء بارزة بإطلالات اعتمدت القمصان الرياضية كقطعة رئيسية. وسرعان ما التقطت الشركات هذه الإشارة، فبدأت بإنتاج تصاميم مخصصة للنساء، وابتكار قصات جديدة مستوحاة من الأطقم الرياضية.

وفي مونديال 2026، اتخذت العلاقة بين كرة القدم والموضة بعداً أكثر عمقاً. فقد استعانت منتخبات وطنية بدور أزياء عالمية لتصميم ملابس السفر والاستقبال والظهور الرسمي، في خطوة تؤكد أن صورة المنتخب لم تعد تُبنى داخل الملعب فقط، بل أيضاً في المطارات وقاعات المؤتمرات والحملات الدعائية.

وتحولت بعض القمصان الحديثة إلى أعمال فنية صغيرة، تستلهم ألوانها ورموزها من التاريخ والتراث والثقافة المحلية، ما منحها قيمة تتجاوز الجانب الرياضي. فالقميص اليوم لا يروي قصة منتخب فحسب، بل يقدم رواية بصرية عن هوية بلد كامل.

لكن الوجه الآخر لهذا النجاح يكشف تحديات متزايدة. فارتفاع الأسعار فتح الباب واسعاً أمام سوق المنتجات المقلدة التي تنتشر في مختلف أنحاء العالم، كما ازداد نشاط المواقع الوهمية التي تستغل حماس الجماهير خلال البطولات الكبرى لبيع منتجات مزيفة أو الاحتيال على المشترين.

وربما تكمن المفارقة الأكبر في أن كرة القدم، التي بدأت كلعبة شعبية في الأحياء والميادين المفتوحة، أصبحت اليوم منصة اقتصادية وثقافية هائلة تجمع الرياضة بالفن والموضة والتكنولوجيا والتسويق. ومع استمرار منافسات كأس العالم 2026، يبدو أن المعركة الحقيقية لا تُحسم فقط بعدد الأهداف المسجلة، بل أيضاً بعدد القمصان المباعة وحجم التأثير الذي تصنعه خارج حدود الملعب.

هكذا تحول قميص المنتخب من قطعة قماش تحمل ألوان فريق وطني إلى رمز عالمي للهوية والموضة والقوة التجارية، في قصة تختصر كثيراً من التحولات التي شهدتها كرة القدم في العصر الحديث.