
الطفولة المفقودة في السودان.. قصص اختفاء واغتصاب ونزوح تكشف الوجه الأكثر قسوة للحرب
لم تكن الأم تعرف إن كان عليها أن تواصل البحث أم تبدأ الحداد. منذ أشهر، تحمل صورة طفلها بين مخيمات النزوح ومراكز الإيواء ونقاط العبور، تسأل الغرباء السؤال ذاته: “هل رأيتموه؟”
في السودان اليوم، لا تبدو قصص الأطفال المفقودين حوادث فردية عابرة وسط الحرب، بل جزءًا من مأساة أوسع تبتلع جيلاً كاملاً. فبينما تجاوز عدد الأطفال المحرومين من التعليم 19 مليون طفل، وانهارت المدارس والمستشفيات وتقطعت الأسر عبر آلاف الكيلومترات من النزوح، أصبح اختفاء الأطفال أحد أكثر وجوه الحرب قسوة وأقلها ظهورًا في الإحصاءات.
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، تكشف الأرقام صورة ثقيلة: معدل وفيات الرضع بلغ 44.5 وفاة لكل ألف مولود حي، وملايين الأطفال يواجهون سوء تغذية حادًا، فيما يعيش آلاف آخرون مصيرًا غامضًا بين النزوح والاختفاء والانفصال الأسري. لكن خلف كل رقم، توجد حكاية طفل اختفى، وأسرة تنتظر، وطفولة ضاعت وسط أصوات الرصاص.
في السودان المنهك بالحرب، لا يأخذ الفقد شكلًا واحدًا.
قد ينفصل طفل عن أسرته أثناء فرار جماعي من قصف مفاجئ. وقد يضيع آخر داخل حافلات النزوح المكتظة. بينما يجد بعض الأطفال أنفسهم في مدن بعيدة أو مخيمات مجهولة دون وثائق أو وسائل تواصل أو حتى معرفة دقيقة بأسمائهم الكاملة أو مناطقهم الأصلية. ومع توسع رقعة النزوح والانهيار الإداري، تحولت عمليات البحث عن الأطفال المفقودين إلى مهمة شبه مستحيلة.
أرقام الحرب.. عندما تصبح الطفولة منطقة خطر
تكشف بيانات الأمم المتحدة صورة مقلقة لأطفال السودان، إذ لا تقتصر الأزمة على المفقودين وحدهم، بل تمتد إلى كامل البنية التي تحمي الطفولة.
أكثر من 19 مليون طفل في سن الدراسة خارج المدارس، في واحدة من أكبر أزمات التعليم عالميًا. ولم تعد سوى 20% فقط من المدارس تعمل، بينما تحولت آلاف المدارس إلى مراكز إيواء أو تعرضت للتدمير. أما على المستوى الصحي، فقد ارتفع معدل وفيات الأطفال الرضع إلى 44.5 وفاة لكل ألف مولود حي، في مؤشر يعكس حجم انهيار النظام الصحي.
وفي الوقت نفسه، أصبح السودان ثامن دولة أفريقية من حيث انتشار سوء التغذية الحاد الشديد بين الأطفال دون الخامسة، ما يضع ملايين الأطفال أمام خطر الموت أو الإعاقات الدائمة. لكن داخل هذه الأرقام الضخمة، تظل قضية الأطفال المفقودين واحدة من أكثر الملفات غموضًا.
الاختفاء.. حين يتحول الطفل إلى “شخص غير موجود”
تكشف المجموعة السودانية لضحايا الاختفاء القسري عن توثيق 27 حالة اختفاء قسري لأطفال خلال عام واحد فقط، بينهم 20 فتى و7 فتيات.
لكن العاملين في هذا الملف يقولون إن الرقم الحقيقي قد يكون أكبر بكثير. يقول مقرر المجموعة، عثمان البصري، إن الفوضى الأمنية، والانهيار الإداري، وتشتت الأسر داخل السودان وخارجه، كلها عوامل تجعل الوصول إلى تقديرات دقيقة أمرًا بالغ الصعوبة.
وبحسب تعريف المجموعة، فإن الاختفاء القسري لا يعني مجرد فقدان الاتصال، بل يشمل حالات الاعتقال أو الاحتجاز بواسطة جهات مسلحة أو سلطات مع إنكار وجود الشخص أو إخفاء مكانه.
وتشير إفادات موثقة إلى أن بعض الأطفال اختفوا بعد اتهامهم بالارتباط بأطراف النزاع، فيما ظهرت مؤشرات على تجنيد آخرين داخل ساحات القتال.
“هربت وهي حامل”.. روايات تتجاوز حدود الصدمة
بعض القصص التي تصل إلى منظمات التوثيق تكشف مستوى آخر من المأساة. إحدى الشهادات تتحدث عن فتاة تبلغ من العمر 16 عامًا اختُطفت من الخرطوم، ونُقلت إلى نيالا، حيث تعرضت لانتهاكات جنسية متكررة قبل أن تتمكن من الفرار لاحقًا. انتهت رحلة هروبها بولادة طفلها داخل قرية قرب طويلة.
مثل هذه الشهادات لا تمثل مجرد قصص فردية، بل تعكس المخاطر المركبة التي تواجه الأطفال، خصوصًا الفتيات، في بيئات الحرب والانهيار الأمني.
المفقودون بسبب الحرب.. الوجه الأقل ظهورًا
ليست كل حالات الاختفاء مرتبطة بالاحتجاز أو الخطف، ففي كثير من الأحيان، يختفي الأطفال ببساطة وسط الفوضى. خلال الهجمات المسلحة، أو أثناء النزوح الجماعي، أو في لحظات الهروب المفاجئة، تنفصل الأسر عن بعضها البعض، وتبدأ رحلة طويلة من البحث.
بعض الأطفال ينتهي بهم المطاف في مخيمات مكتظة، آخرون يعيشون مع أسر بديلة مؤقتًا، وبعضهم يصل إلى الشوارع. ومع استمرار التنقل وتكرار النزوح، تصبح العودة أكثر صعوبة.
جيل يحمل الندوب الخفية
المأساة لا تتوقف عند حدود الغياب الجسدي. الأطفال الذين نجوا من الفقد يعيش كثير منهم تحت ضغوط نفسية عميقة.
- الخوف المزمن.
- اضطرابات النوم.
- القلق المستمر.
- وصدمات الحرب المتراكمة.
أما الأسر، فتعيش داخل منطقة رمادية قاسية؛ لا تملك يقين الوفاة، ولا تملك دليل النجاة.
- إنه انتظار مفتوح.
- وأحيانًا، انتظار بلا نهاية.
البحث عن المفقودين.. سباق مع الزمن
يدعو ناشطون ومجموعات توثيق إلى تكثيف نشر صور وأسماء الأطفال المفقودين عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، باعتبار أن التغطية الإعلامية قد تصبح أحيانًا الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الأطفال وإعادة لمّ الشمل.
لكن مع استمرار الحرب، يبقى السؤال الأكثر قسوة حاضرًا: كم عدد الأطفال الذين فُقدوا فعلًا؟… لا أحد يملك الإجابة. وربما تكون هذه، في حد ذاتها، إحدى أكبر مآسي الحرب السودانية.
