
بعد 7 سنوات من فض اعتصام القيادة.. فيديوهات تعيد فتح جراح السودان ونقابة الصحفيين: الإفلات من العقاب قاد إلى الحرب
الخرطوم، الغد السوداني – قبل سبع سنوات، كان الدخان الكثيف يتصاعد من محيط مقر القيادة العامة للجيش السوداني في الخرطوم، بينما كانت أصوات الرصاص وصرخات المعتصمين ترسم واحدة من أكثر اللحظات دموية في تاريخ السودان الحديث. واليوم، تعود تلك المشاهد مجدداً إلى واجهة الذاكرة الجماعية، بعدما اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي السودانية فيديوهات أعادت إحياء تفاصيل الساعات التي سبقت فض الاعتصام، وأعادت معها أسئلة العدالة المؤجلة.
ومع حلول الذكرى السابعة لفض اعتصام القيادة العامة، تصدرت وسوم مثل: #لن_ننسى و#مجزرة_فض_اعتصام_القيادةالعامة و#لا_للحرب و#جيش_الغدر منصات التواصل، بينما أعاد آلاف السودانيين تداول مقاطع فيديو قال ناشطون إنها توثق مراقبة الجيش لمجريات عملية الفض، في وقت أصدرت نقابة الصحفيين السودانيين بياناً اعتبرت فيه أن ما جرى لم يكن “لحظة جنون عابرة”، بل نتيجة مباشرة لـ«سياسة الإفلات من العقاب» التي قادت البلاد – بحسب وصفها – إلى الحرب الحالية.
وفي بيان حمل نبرة سياسية وحقوقية حادة، قالت نقابة الصحفيين السودانيين إن ذكرى فض الاعتصام ليست مجرد استذكار لمأساة إنسانية، وإنما تذكير بأن غياب المحاسبة هو ما سمح بتكرار العنف وإعادة إنتاجه بصورة أوسع وأشد فتكاً.
وقالت النقابة في بيانها: “لا سلام دون كلفة سياسية وأمنية وقانونية على من استخدم العنف ضد المدنيين، ولا وحدة وطنية مستدامة دون عدالة واعتراف وإنصاف”، معتبرة أن الحرب الدائرة حالياً تمثل “الوجه الآخر لسياسة الإفلات من العقاب ذاتها”.
وخلال الساعات الماضية، تداول ناشطون فيديوهات قديمة وثقت تحركات خارج متاريس المعتصمين قبيل ساعات من عملية الفض، بينها مقاطع للثائر حسن بكري يحذر فيها من أن أي محاولة لإنهاء الاعتصام بالقوة لن تستهدف المعتصمين وحدهم، وإنما ستفتح الباب أمام “ردة كاملة على الثورة” وإعادة إنتاج النظام السابق.
واعتبر متداولون على مواقع التواصل أن عودة هذه الفيديوهات في هذا التوقيت تعكس محاولة جماعية لاستعادة الذاكرة في ظل الحرب المستمرة، بعدما طغت المعارك والنزوح والانهيار الإنساني على ملفات العدالة الانتقالية والمحاسبة.
وفي الثالث من يونيو 2019، اقتحمت قوات تابعة للمجلس العسكري مقر الاعتصام المدني أمام القيادة العامة في الخرطوم، مستخدمة الرصاص الحي وخراطيم المياه والعنف المباشر لتفريق آلاف المحتجين المطالبين بانتقال السلطة إلى المدنيين، بعد أسابيع من تعثر المفاوضات بين العسكريين وقوى الثورة.
وأدت العملية الأمنية والعسكرية، وفق تقديرات منظمات حقوقية ولجان مستقلة، إلى سقوط مئات القتلى والجرحى، إضافة إلى حالات اختفاء قسري وعنف جنسي وانتهاكات واسعة طالت المعتصمين والطواقم الطبية.
وبعد سبع سنوات من تلك الأحداث، ما تزال الأسئلة الأساسية دون إجابات حاسمة. فقد توقفت أعمال لجنة التحقيق الوطنية المستقلة التي ترأسها المحامي الحقوقي نبيل أديب عقب انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، والذي نفذه القادة العسكريون الذين كانوا شركاء في السلطة الانتقالية قبل أن يتحولوا لاحقاً إلى أطراف رئيسية في الحرب الجارية.
ويقول الناشط المدني حسن بكري إن ذكرى فض الاعتصام لا تزال تمثل مصدر قلق للقادة العسكريين الذين يواجهون اتهامات سياسية وأخلاقية مرتبطة بالأحداث. وأضاف: “هذه الجريمة لن تسقط بالتقادم، وستظل تطارد كل من خطط أو شارك أو نفذ”.
من جهتها، وصفت هيئة محامو الطوارئ ذكرى الفض بأنها “محطة كاشفة وصادمة في مسار العنف السياسي السوداني”، معتبرة أن ما حدث شكل نقطة تحول سالبة في تجربة الانتقال الديمقراطي.
وقالت الهيئة إن مرور سبع سنوات دون كشف كامل للحقيقة أو محاسبة المسؤولين أسهم بصورة مباشرة في “ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب”، وهو ما انعكس لاحقاً – بحسب بيانها – في اتساع نطاق الانتهاكات خلال الحرب الحالية.
ويرى ناشطون ومراقبون أن المفارقة الأكثر قسوة تتمثل في أن كثيراً من العسكريين الذين أحاطت بهم الاتهامات السياسية خلال تلك المرحلة، صعدوا لاحقاً إلى مواقع سلطة أعلى، بينما بقيت مطالب العدالة حاضرة في الشوارع، ثم تراجعت تحت ضغط الحرب والانهيار الإنساني.
واليوم، وبينما يحيي السودانيون الذكرى السابعة لمجزرة القيادة العامة، تبدو الأسئلة ذاتها أكثر ثقلاً: كيف يمكن بناء سلام دون عدالة؟ وهل يمكن لبلاد أنهكتها الحرب أن تطوي صفحة الدماء دون كشف الحقيقة؟
سبع سنوات مرت، لكن بالنسبة لكثيرين، لم تنتهِ المجزرة بعد.
