التنشئة السلطوية والدولة الهشة: تحليل مقارن لحالات السودان ومصر وإثيوبيا
لقد قدم الدكتور عزام عبد الله إبراهيم فى كتابه الموسوم: “سجون المهد: كيف يحكمنا الأطفال المكسورون داخلنا؟ تشريح نفسى للشخصية السودانية”مساهمة هامة لحوارات المشروع الوطنى السودانى من منظور علم النفس الاجتماعى وعلم الاجتماع السياسى. ففى سياق مقالى السابق الذى استعرض هذا الكتاب (قراءة فى كتاب سجون المهد)، أشرت إلى أن الكاتب سعى لتفكيك ومقاربة العلاقة المعقدة فى السياق السودانى بين أنماط التنشئة الاجتماعية فى الطفولة وبين طبيعة البنية السياسية والاجتماعية للمجتمع، مما أدى برأيه، إلى فشل المشروع الوطنى السودانى فى نهاية المطاف.
فقد شغلت هذه الرؤية مدارس فكرية متعددة منذ أعمال مدرسة فرانكفورت، خاصة مفهوم “الشخصية السلطوية” لدى ثيودور أدورنو، مروراً بأعمال أليس ميلر حول قمع الطفل وإعادة إنتاج العنف، وصولاً إلى أدبيات رأس المال الاجتماعى والثقة عند روبرت بوتنام (أنظر المراجع -1 فى نهاية المقال). لذلك يوصي الكاتب بتأسيس ثقافة عامة جديدة قوامها الصدق، والمسؤولية، واحترام الكرامة الإنسانية، وتشجيع التفكير النقدي والإبداع، وتحرير العلاقات الأسرية والتعليمية والسياسية من منطق الهيمنة والطاعة العمياء. فالنهضة الوطنية، بحسب دكتور عزام، لا تتحقق بمجرد الإصلاح المؤسسي، وإنما عبر “ثورة نفسية وأخلاقية” تعيد بناء الإنسان السوداني من الداخل، ليصبح أكثر قدرة على الحرية والتسامح والتعاون وصناعة مستقبل مختلف للأجيال القادمة.
ومع ذلك، فإن العلاقة بين قمع الأطفال أو التنشئة السلطوية وبين مصير الأمم ليست علاقة ميكانيكية أو حتمية، إذ تتداخل معها عوامل الاقتصاد السياسى، والاستعمار، والحرب، وبنية الطبقات، وطبيعة النخب، والموارد، والجغرافيا السياسية. كما أن قياس “الشخصية الجمعية” أو الثقافة النفسية للمجتمعات يظل من أعقد القضايا المنهجية فى العلوم الاجتماعية. عليه، بالنظر إلى أن هذه العلاقة لا تعمل فى فراغ، سنجرى فى هذا المقال مقارنة بين السودان ومصر وإثيوبيا والتى برأينا تكتسب أهمية خاصة، لأن الحالات الثلاث تمثل أنماطاً مختلفة من تفاعل السلطوية الاجتماعية مع الدولة الحديثة فى السياق الأفريقى والشرق أوسطى.
السودان، مصر وأثيوبيا: التماثل المجتمعى وتباين التطور السياسى:
فى الحالة السودانية، لا توجد – حتى الآن – مدرسة بحثية متكاملة تربط بصورة مباشرة بين قمع الأطفال وبنية الدولة أو أزمة بناء الأمة، غير أن كثيراً من المؤشرات والدراسات الجزئية تقود إلى هذا الاتجاه. فالمجتمع السودانى عرف تاريخياً أنماطاً أبوية صارمة فى التنشئة، كما انتشر العقاب البدنى فى الأسرة والمدرسة، فى ظل ثقافة تمجد الطاعة وتحاصر التعبير الحر. وقد تفاقم ذلك مع عقود الحرب الأهلية الطويلة، والعنف السياسى، والنزوح، والانهيار المؤسسى، بحيث نشأت أجيال كاملة داخل بيئة من الصدمة الجماعية وعدم اليقين.
غير أن المفارقة السودانية اللافتة تتمثل فى أن السودان، رغم ما يُعرف به من قيم التكافل الاجتماعى والكرم والتسامح المحلى، ظل يعانى من ضعف شديد فى الثقة الوطنية العامة. فالتعاون يحدث غالباً داخل حدود القبيلة أو الجهة أو الطائفة أو الشبكات الشخصية، لكنه يتعثر حين يتعلق الأمر ببناء مؤسسات وطنية مستقرة أو مشروع جماعى طويل الأجل. ومن ثم، فإن المجتمع كثيراً ما يعود إلى الولاءات الأولية والحمايات التقليدية عند كل أزمة وطنية كبرى. وهكذا تفاعلت التنشئة الأسرية السلطوية مع الدولة السلطوية والحرب الأهلية فى حلقة مفرغة غذّى كل عنصر فيها الآخر. والنتيجة لم تكن دولة قوية كما فى بعض النماذج السلطوية الآسيوية، ولا مجتمعاً تعاونياً حديثاً، بل حالة من التشظى المزمن وضعف الثقة الوطنية، أو ما يمكن تسميته بـ”السلطوية داخل الدولة الهشة”.
أما فى مصر، فإن الصورة تختلف نسبياً. فالحالة المصرية ربما تكون الأكثر دراسة عربياً فيما يتعلق بعلاقة البنية الأبوية بالسلطوية السياسية. وقد تناولت أدبيات عديدة مفاهيم مثل “المجتمع الهيدروليكي” (Hydraulic Society)، و”الشخصية المصرية السلطوية”، والأب البطريركى، والمدرسة التلقينية، ومركزية الدولة، وثقافة الخوف من السلطة. غير أن السلطوية فى مصر ارتبطت بدولة مركزية عريقة ومتجذرة تاريخياً، ما أتاح قدراً أعلى من الانضباط المؤسسى والاستمرارية الإدارية. ومن ثم، فإن النتيجة المصرية لم تكن التفكك بقدر ما كانت “الامتثال الشامل”. فالمجتمع المصرى يمتلك قدرة أكبر نسبياً على التنظيم والانضباط الجماعى، لكنه يعانى فى المقابل من ضعف المبادرة الحرة والتنظيم الأفقى المستقل. أى أن السلطوية هنا أضعفت الإبداع الاجتماعى والاستقلال المدنى، لكنها لم تُفضِ إلى انهيار الدولة أو تفككها البنيوى كما حدث فى السودان.
أما إثيوبيا، فتقدم نموذجاً ثالثاً أكثر تعقيداً. فهى تجمع بين إرث إمبراطورى مركزى قديم، وهويات إثنية قوية، وثقافة تنظيمية صارمة. وقد أظهرت التجربة الإثيوبية، خاصة فى عهد الجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الإثيوبية، قدرة ملحوظة على التعبئة السياسية والتنموية مقارنة بالسودان. لكن هذه القدرة لم تكن ناتجة عن تنشئة ديمقراطية بالضرورة، بل عن مزيج من الانضباط الحزبى، والهرمية التنظيمية، والمركزية السياسية الصارمة.
وبعبارة أخرى، استطاعت إثيوبيا – ولو جزئياً – تحويل السلطوية إلى مشروع تعبئة وبناء دولة وتنمية، بينما فشل السودان فى إنتاج نموذج مماثل، رغم التشابه متعدد الأوجه من حيث التاريخ والجغرافيا بين البلدين. ومن هنا تأتى أهمية السؤال الذى ظل مطروحاً فى النقاش السودانى المعاصر: لماذا نجحت إثيوبيا نسبياً فى بناء دولة تنموية سلطوية، بينما أخفق السودان فى ذلك؟
الفرق الجوهرى يبدو كامناً فى طبيعة الدولة ذاتها. فإثيوبيا امتلكت، عبر تاريخها الطويل، تقاليد مركزية وإدارية وتنظيمية أعمق، كما استطاعت النخب الحاكمة فيها بناء مشروع سياسى أكثر تماسكاً، حتى وإن كان سلطوياً. أما السودان، فقد ظل أسير ازدواجية عميقة بين مركز حديث محدود وأطراف واسعة مهمشة، وبين دولة ضعيفة وشبكات ولاء تقليدية، وبين اقتصاد ريعى وتحالفات عسكرية وطائفية متقلبة. ولهذا لم تنتج السلطوية السودانية دولة قوية، بل أعادت إنتاج الهشاشة والانقسام.
ملاحظات نقدية ودعوة لدراسات مقارنة:
ومن هنا يمكن النظر إلى الحالات الثلاث باعتبارها ثلاثة نماذج مختلفة لعلاقة السلطوية بالتنمية وبناء الدولة. فمصر تمثل نموذج “السلطوية المؤسسية” القائمة على دولة مركزية مستقرة نسبياً؛ وإثيوبيا تمثل نموذج “السلطوية التعبوية التنموية” التى سعت إلى توظيف الانضباط والتنظيم فى مشروع بناء دولة؛ أما السودان فيمثل نموذج “السلطوية داخل الدولة الهشة”، حيث ترافقت القهرية السياسية والاجتماعية مع ضعف مؤسسات الدولة وتآكل الثقة الوطنية.
ما يلفت الانتباه بصورة خاصة فى كتاب “سجون المهد” هو أنه، رغم طابعه النفسى والسردى، يتبنى فعلياً مقاربة ذات طابع “تأسيسى جزئ” (micro-foundational) لتفسير الظواهر السياسية والاجتماعية الكلية. فالحركة التحليلية المركزية فى الكتاب تقوم على تتبع جذور الاختلالات المجتمعية والمؤسسية الكبرى إلى فضاء الطفولة المبكرة، وبنية الأسرة، وأنماط التنشئة اليومية. وبهذا المعنى، يفترض المؤلف – بصورة ضمنية – أن ما يظهر على مستوى الدولة من سلطوية، وضعف ثقة، وتشظٍ سياسى، وإنكار، وعنف، وتعثر متكرر فى الفعل الجماعى، قد يكون فى جوهره انعكاساً لتراكم أمراض نفسية واجتماعية نشأت داخل المجال الحميم للأسرة والمجتمع المحلى. ومن ثم، يسعى الكتاب إلى “توسيع نطاق” (scaling up) الأنماط التى تتشكل فى الحيز الاجتماعى الجزئى – الأسرة، والحي، والمدرسة، والعالم الأخلاقى المباشر للطفل – لتفسير مخرجات سياسية ومؤسسية كلية على مستوى الدولة والمجتمع.
غير أن هذه المقاربة، رغم ما تنطوى عليه من جرأة فكرية وخصوبة منهجية، تثير سؤالاً تحليلياً مهماً يتقاطع مع جدل أوسع فى اقتصاديات التنمية والاقتصاد السياسى المعاصر، يتمثل فى ما يسمى بمشكلة “المغزوية الخارجية” (external validity)، ففى هذا السياق انتقد أستاذا الأقتصاد بروفيسور داني رودريك وبروفيسور أنقس ديتون (أنظر المراجع -2 فى نهاية المقال)، ضمن آخرين، النزعة السائدة فى بعض اتجاهات اقتصاد التنمية إلى تعميم نتائج مستمدة من التجارب العشوائية المحكمة (RCTs) أو التدخلات الموضعية المحدودة، وتحويلها إلى وصفات تفسيرية أو سياسات عامة قابلة للتطبيق عبر سياقات وطنية معقدة ومختلفة. ولم يكن جوهر نقدهما التقليل من أهمية الأدلة الجزئية، بل التحذير من القفز من نتائج متحصلة داخل بيئات اجتماعية ومؤسسية محددة إلى استنتاجات كلية تتعلق بمسارات التنمية والدولة، دون أخذ التاريخ والمؤسسات وبنية الدولة والتحالفات السياسية والسياقات الاجتماعية بعين الاعتبار.
وبصورة مشابهة، يمكن القول إن كتاب “سجون المهد” يطرح تفسيراً نفسياً-اجتماعياً شديد الأهمية للحالة السودانية، لكن الانتقال من الحيز “الجزئى” للطفولة المقهورة إلى الحيز “الكلى” لفشل الدولة وتعثر المشروع الوطنى يتطلب طبقات إضافية من التحليل التاريخى والمؤسسى والسياسى. أى أن آثار “الطفولة المقهورة” لا يمكن فهمها بمعزل عن السياقات الأوسع التى تشكلت داخلها الدولة السودانية ومسارات تطورها التاريخى.
ويزداد هذا التحفظ أهمية عند إدخال البعد المقارن، إذ أن السودان ومصر وإثيوبيا، على سبيل المثال، تتشارك – بدرجات متفاوتة – فى أنماط من التنشئة الأبوية، والثقافة التعليمية السلطوية، والعلاقات الاجتماعية الهرمية القائمة على الخوف والطاعة والانضباط القسرى. ومع ذلك، فقد أنتجت هذه المجتمعات مخرجات سياسية ومؤسسية مختلفة بصورة لافتة. كما أبنا أعلاه، فمصر، رغم رسوخ السلطوية فيها، نجحت تاريخياً فى بناء دولة مركزية متماسكة نسبياً ومستقرة مؤسسياً. أما إثيوبيا، خاصة خلال تجربة الجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الإثيوبية، فقد استطاعت ــ ولو بصورة جزئية ــ تحويل الانضباط السلطوى إلى مشروع تعبئة وتنمية وبناء دولة ذى قدر من التماسك المؤسسى. فى المقابل، جمع السودان بين السلطوية الاجتماعية والسياسية وبين هشاشة الدولة، وضعف الاستمرارية المؤسسية، وتفكك السلطة، والدورات المتكررة من الانهيار الديمقراطى والحرب الأهلية.
فالنتائج النهائية تتوقف على كيفية تفاعل هذه البنى الجزئية مع:
الصيرورة التاريخية لنشوء وتكون الدولة؛
وطبيعة التحالفات السياسية ومدى متانة وتوسع الطبقة الوسطى؛
وتنظيم أدوات العنف والقوة وعلاقتها ببنية الاقتصاد وعائدات الريع وحوافز النخب الحاكمة؛
وقدرة الدولة على تحويل الانضباط الاجتماعى إلى شرعية مؤسسية وتنموية.
وعليه، فإن المساهمة الأهم لكتاب “سجون المهد” لا تكمُن فى تقديم تفسير أحادى لأزمة السودان، بل فى فتح أفق تحليلى جديد يدعو إلى إعادة وصل التحليل النفسى والاجتماعى الجزئى بعلم الاقتصاد السياسى، وتاريخ بناء الدولة، وعلم الاجتماع التاريخى المقارن. فالتحدى الحقيقى لا يتمثل فى نقد المقاربة الجزئية التى يقدمها الكتاب، وإنما فى إدماجها داخل إطار تفسيرى أكثر تركيباً وتاريخية، يفسر لماذا يمكن لمجتمعات تتشابه جزئياً فى بعض خصائصها النفسية والاجتماعية أن تنتهى، مع ذلك، إلى مسارات وطنية ومؤسسية مختلفة بصورة عميقة.
