
السودان بين ميثاق «سما» وحوار البرهان.. من يرسم طريق إنهاء الحرب؟
الخرطوم، الغد السوداني – يتجه المشهد السياسي السوداني نحو فصل جديد من التنافس الحاد بين المبادرات المدنية والعسكرية، بعد إعلان قوى إعلان المبادئ السودانية توقيع ميثاق سياسي جديد تحت شعار «نحو بناء وطن جديد»، وتزامنت دعوة رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان لترتيب حوار سياسي داخلي، في تطورات تعكس احتدام الصراع حول من يملك حق رسم ملامح مرحلة ما بعد الحرب.
ويأتي الميثاق الجديد، الذي تصفه القوى الموقعة بأنه محاولة لتوحيد التيار المدني الديمقراطي، في وقت تدخل فيه الحرب السودانية عامها الرابع وسط تصاعد الأزمة الإنسانية والانهيار الاقتصادي واتساع رقعة النزوح، ما يجعل أي مبادرة سياسية جديدة موضع اختبار حقيقي لقدرتها على تجاوز الانقسامات العميقة داخل المشهد السوداني.
وتسعى الوثيقة الجديدة إلى تقديم تصور شامل للدولة السودانية المستقبلية، عبر الدعوة إلى نظام فيدرالي لامركزي، وسلطة انتقالية مدنية كاملة، وإعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية تحت سلطة مدنية، إلى جانب تبني العدالة الانتقالية وإعادة الإعمار كأولوية وطنية.
غير أن توقيت إعلان الميثاق يضعه مباشرة في مواجهة مع تحركات موازية يقودها البرهان، الذي أعلن في خطاب بمناسبة عيد الأضحى عزمه إطلاق حوار سياسي داخل السودان، مع استبعاد أطراف تتهمها السلطات بالتورط في أعمال عنف ضد المدنيين.
ويرى مراقبون أن التزامن بين المبادرتين يعكس سباقاً سياسياً مبكراً حول شكل التسوية المقبلة، خاصة مع اقتراب موعد الحوار الذي دعت إليه الآلية الخماسية والمقرر انعقاده مطلع يونيو، والذي يُنظر إليه باعتباره محاولة جديدة لإعادة إحياء المسار السياسي المتعثر.
ويضع هذا التنافس السودان أمام سؤال جوهري يتعلق بمصدر الشرعية السياسية في مرحلة ما بعد الحرب: هل ستتشكل التسوية عبر توافق مدني واسع مدعوم إقليمياً ودولياً، أم من خلال ترتيبات سياسية تنطلق من موازين القوى العسكرية على الأرض؟
ويقول محللون إن فرص نجاح أي عملية سياسية ستظل محدودة ما لم تتمكن الأطراف المتنافسة من تجاوز معضلة “المسارات المتوازية”، التي ظلت أحد أبرز أسباب فشل المبادرات السابقة، حيث غالباً ما أفضت تعدد المنابر والتكتلات إلى إنتاج اتفاقات متنافسة بدلاً من خلق أرضية مشتركة.
وفي الوقت نفسه، يبدو أن الرهان العسكري ما زال حاضراً بقوة، إذ أكد البرهان استمرار العمليات العسكرية حتى استعادة السيطرة على المناطق التي توجد فيها قوات الدعم السريع، في إشارة يرى متابعون أنها تعكس استمرار الاعتماد على الخيار العسكري بالتوازي مع الخطاب السياسي.
ويرى مراقبون أن أي تسوية قابلة للحياة ستحتاج إلى معالجة ثلاث قضايا رئيسية: وقف إطلاق النار بشكل مستدام، الاتفاق على ترتيبات أمنية مقبولة لجميع الأطراف، وإيجاد صيغة سياسية تمنع إعادة إنتاج الأزمة التي قادت إلى الحرب.
وبينما تتنافس المبادرات المدنية والعسكرية والدولية على رسم الطريق نحو المستقبل، يبقى التحدي الأكبر أمام السودانيين هو تحويل تعدد المبادرات من عامل انقسام إلى فرصة لبناء توافق سياسي أوسع، في بلد أنهكته الحرب وباتت كلفة استمرارها أعلى من كلفة التسوية نفسها.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو المعركة الحقيقية في السودان اليوم ليست فقط على الأرض، بل أيضاً حول من يملك رواية السلام ومن يحدد شروط نهايته.
