
صفوت الجيلي يغني من المعتقل.. الحرب تحاصر فناني السودان
في بلدٍ أنهكته الحرب ومزقت مدنه أصوات الرصاص، يخرج خبرٌ صغير من قلب دارفور ليعيد إلى السودانيين شيئاً من الطمأنينة. فالفنان السوداني المعروف صفوت الجيلي، الذي لاحقته شائعات الوفاة والاختفاء القسري لأشهر، ما يزال على قيد الحياة، ويواصل الغناء حتى من داخل المعتقل.
هذه الرواية نقلتها الصحفية السودانية المتخصصة في الفنون والمنوعات محاسن أحمد عبدالله عبر منشور أثار تفاعلاً واسعاً بين السودانيين، في وقت أصبحت فيه أخبار الفنانين والمبدعين جزءاً من يوميات الحرب القاسية.
وبحسب ما أوردته محاسن أحمد عبدالله، فإن شخصاً أُفرج عنه حديثاً من معتقل بمدينة نيالا أكد لها أنه كان محتجزاً مع صفوت الجيلي داخل سجن “دقريس” غرب المدينة، وأن الفنان “بخير ويتمتع بصحة جيدة”.
الرواية تعيد فتح واحد من أكثر الملفات الإنسانية إيلاماً في الحرب السودانية: مصير الفنانين والمثقفين الذين ابتلعتهم دوامة النزاع، بين النزوح والاعتقال والصمت الإجباري.
من الخرطوم إلى نيالا
وفقاً للشهادة التي نقلتها محاسن، فإن صفوت الجيلي اعتُقل بدايةً من منطقة شرق النيل بالعاصمة الخرطوم، ثم نُقل إلى سجن بمنطقة الرياض، حيث كان يُفترض – بحسب الرواية – أن يظهر في مؤتمر صحفي لنفي شائعة مقتله التي انتشرت وقتها على نطاق واسع.
لكن التطورات العسكرية المتسارعة، مع دخول الجيش إلى الخرطوم وانسحاب قوات الدعم السريع من أجزاء واسعة منها، أدت إلى نقل عدد كبير من المعتقلين إلى دارفور، وكان الفنان السوداني من بينهم.
ويقول المصدر إن صفوت نُقل لاحقاً إلى نيالا مروراً بمنطقة تُعرف محلياً باسم “البورصة”، قبل أن يستقر داخل سجن “دقريس”، حيث تنقل بين عنابر مخصصة لمعتقلي الجيش وأخرى تضم معتقلي الدعم السريع ومدنيين.
الغناء داخل الزنزانة
المفارقة التي منحت القصة بعدها الإنساني، أن الفنان المعتقل لم يتخلَّ عن الغناء رغم ظروف الاحتجاز.
فبحسب شهادة المعتقل السابق، كان صفوت الجيلي يشارك في “برامج ثقافية” تُقام داخل المعتقل بين الحين والآخر، في مشهد يلخص كيف تحاول الثقافة السودانية النجاة حتى داخل أكثر الأماكن قسوة.
ويضيف المتحدث، بحسب ما نقلته محاسن أحمد عبدالله، أن صفوت “كان نعم الأخ والصديق، طيب المعشر وحسن الأخلاق”، مشيراً إلى أن سريره كان ملاصقاً لسرير الفنان داخل العنبر.
وفي السودان الذي تحولت فيه المسارح إلى ثكنات، وتوقفت فيه الحفلات والمنتديات الثقافية، تبدو حكاية صفوت الجيلي امتداداً لمأساة جيل كامل من الفنانين الذين وجدوا أنفسهم فجأة في قلب الحرب.
الحرب التي أطفأت المسارح
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تعرض القطاع الثقافي السوداني لضربة قاسية. أُغلقت المسارح ودور السينما، وتوقفت الأنشطة الفنية، فيما اضطر عشرات الفنانين والموسيقيين إلى النزوح أو مغادرة البلاد.
ولم تعد أخبار الوسط الفني مرتبطة بإطلاق الألبومات أو الحفلات الجماهيرية، بل صارت تدور حول الاعتقالات والاختفاءات والنزوح وفقدان الأرشيف الفني.
ومع ذلك، يواصل السودانيون تداول الأغاني القديمة والمقاطع الفنية بوصفها شكلاً من أشكال المقاومة المعنوية، ومحاولة للاحتفاظ بصورة البلاد التي كانت يوماً تعج بالحياة.
أمل بالإفراج
في ختام شهادته، عبّر المعتقل السابق عن أمله في الإفراج القريب عن صفوت الجيلي، مشيراً إلى أن المحتجزين داخل السجن لا يملكون أي وسيلة تواصل مع أسرهم.
وبينما لا توجد معلومات رسمية مؤكدة حول موعد إطلاق سراح الفنان السوداني، فقد تحولت رواية نجاته إلى بارقة أمل لكثير من السودانيين الذين تابعوا خلال الأشهر الماضية أخبار اختفائه بقلق واسع.
وفي بلد يزداد فيه المشهد قتامة يوماً بعد آخر، يبدو أن مجرد سماع خبر يقول إن فناناً ما يزال يغني داخل المعتقل، يكفي أحياناً ليمنح الناس شعوراً بأن الحياة لم تُهزم بالكامل بعد.
