
موتٌ على حدود أرقين.. العطش والحر يفتكان بالعالقين
أرقين، الغد السوداني – تحت شمس تتجاوز حرارتها 45 درجة مئوية، تحوّل الانتظار في معبر أرقين الحدودي بين السودان ومصر إلى معركة يومية للبقاء، بعدما لقي ثلاثة سودانيين مصرعهم نتيجة ضربات شمس ومضاعفات صحية، فيما يواجه آلاف العالقين ظروفاً إنسانية قاسية وسط نقص المياه والغذاء والرعاية الطبية.
المشهد عند المعبر بدا أقرب إلى مخيم طوارئ مفتوح في قلب الصحراء؛ عائلات تفترش الأرض، أطفال يختبئون تحت ظلال الحقائب، ونساء ينتظرن لساعات طويلة أملاً في الحصول على مقعد داخل حافلة تقلّهم إلى مدنهم المنهكة بالحرب والأزمات الاقتصادية.
وتداول مسافرون مقاطع مصورة وشهادات حية توثق حجم المأساة، حيث أظهرت الصور تكدس مئات الحقائب حول المسافرين، بينما يقضي بعض العالقين أياماً كاملة في العراء دون خدمات أساسية، في واحدة من أسوأ أزمات العبور التي شهدها المعبر خلال الأشهر الأخيرة.
وقال أحد العالقين لـ«الغد السوداني» إن امرأتين ورجلاً توفوا داخل منطقة المعبر بعد تعرضهم المباشر لأشعة الشمس، إلى جانب معاناتهم من أمراض مزمنة تفاقمت مع غياب الرعاية الصحية الكافية.
وأضاف أن كثيراً من العائلات وصلت إلى أرقين بعد رحلات شاقة من داخل مصر، لتفاجأ بعدم توفر وسائل نقل كافية نحو الولايات السودانية، الأمر الذي أدى إلى تكدس غير مسبوق للركاب في ظل ارتفاع كبير في أسعار التذاكر.
أسعار ملتهبة وأزمة نقل
وتأتي الأزمة بالتزامن مع إعلان الغرفة القومية للبصات السفرية تطبيق زيادة مؤقتة بنسبة 30% على أسعار التذاكر بين الولايات، مبررة القرار بعودة الحافلات فارغة من بعض الولايات، مع بدء عمليات التفويج الخاصة بعيد الأضحى.
لكن مسافرين أكدوا أن الزيادات الفعلية تجاوزت النسب المعلنة، مشيرين إلى أن بعض التذاكر وصلت إلى نحو 270 ألف جنيه سوداني، بينما اضطرت شركات نقل إلى إعادة مبالغ مالية لركاب بعد تعذر توفير حافلات لنقلهم من أرقين.
ويقول مسافرون إن عدداً من أصحاب الحافلات فضّلوا الاتجاه إلى خطوط أكثر ربحية، تاركين آلاف العائدين عالقين عند الحدود في ظروف توصف بأنها “كارثية”، خاصة مع غياب أماكن الإيواء المناسبة وضعف الخدمات الإنسانية.
خمسة آلاف عالق في الصحراء
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أعلن مدير معبر أرقين العميد مبارك داوود بدء انفراج نسبي في أوضاع العالقين بعد توفير حافلات إضافية لنقل المسافرين إلى ولاياتهم المختلفة.
وأوضح في تصريحات صحفية أن حركة السفر كانت تسير بصورة طبيعية حتى نهار السبت، قبل أن يشهد المعبر تدفقاً متسارعاً للعائدين أدى إلى تكدس نحو خمسة آلاف شخص خلال فترة قصيرة.
وأرجع داوود الأزمة إلى عزوف أصحاب الحافلات عن العمل في خط أرقين بسبب تفاوت أسعار التذاكر مقارنة بخطوط أخرى أكثر ربحية، موضحاً أن سعر تذكرة أرقين – الخرطوم بلغ نحو 196 ألف جنيه، مقابل 260 ألف جنيه لخط وادي حلفا – الخرطوم، و240 ألف جنيه لخط دلقو – الخرطوم.
وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة وتزايد أعداد العالقين ساهما في تعقيد الوضع الإنساني، مؤكداً وجود وحدة علاجية ومركز طوارئ داخل المعبر، إلى جانب تحويل الحالات الحرجة إلى مستشفيات دنقلا.
رحلة العودة تتحول إلى كابوس
وتكشف أزمة أرقين جانباً من المعاناة المتفاقمة التي يواجهها السودانيون الفارون من الحرب، حيث تحولت رحلة العودة من مصر إلى اختبار قاسٍ بين ارتفاع تكاليف السفر وندرة وسائل النقل والانهيار المتواصل للخدمات.
وبينما تتحدث السلطات عن انفراج مرتقب للأزمة، يخشى عالقون من تكرار المشهد مع استمرار تدفق العائدين خلال موسم العيد، في ظل غياب حلول دائمة تضمن سلامة المسافرين وكرامتهم الإنسانية.
وفي أقصى شمال السودان، حيث تمتد الصحراء بلا نهاية، تبدو الحدود هذه الأيام أكثر قسوة من أي وقت مضى؛ فهناك، لا يواجه العالقون فقط مشقة السفر، بل يصارعون أيضاً حرارة قاتلة قد تحوّل الانتظار إلى مأساة جديدة.
