إعلان نيروبي.. السودان بين «خيط العنكبوت» الإخواني وفرصة النجاة الأخيرة
لم يكن البيان الصادر من اجتماعات نيروبي مجرد موقف سياسي عابر ضد الحرب في السودان، بل بدا كأنه محاولة لإعادة تعريف جذور الكارثة السودانية نفسها. فالقوى المدنية المجتمعة هناك لم تكتفِ بإدانة القتال أو الدعوة إلى وقف إطلاق النار، بل وضعت إصبعها مباشرة على العقدة الأكثر حساسية في المشهد السوداني: العلاقة العضوية والمتشابكة بين الإسلاميين والعسكرة والحرب.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في خطاب القوى الرافضة للحرب هو ذلك الربط الواضح بين انقلاب ما بعد الثورة وحرب 15 أبريل، باعتبارهما فصلين في مشروع واحد هدفه تعطيل الانتقال المدني الديمقراطي الذي فجّرته ثورة ديسمبر.
فمنذ سقوط نظام عمر البشير عام 2019، لم تغادر الحركة الإسلامية المشهد فعلياً، حتى وإن خسرت القصر الرئاسي والواجهة الرسمية للسلطة. اختفت من الواجهة، لكنها بقيت حاضرة داخل مفاصل الدولة والأمن والاقتصاد والإعلام، كـ«خيط عنكبوت» شديد التعقيد؛ يبدو هشاً للوهلة الأولى، لكنه قادر على الالتفاف حول مؤسسات الدولة والقوى المسلحة معاً.
ذلك الخيط لم يكن يتحرك في اتجاه واحد، بل توزع نفوذه داخل الجيش، وتغلغل في شبكات المصالح المرتبطة بالحرب، واستفاد أيضاً من الفوضى التي صنعتها تعددية السلاح والمليشيات. ولهذا لم يكن غريباً أن تتحول البلاد، بعد سنوات قليلة من الثورة، إلى ساحة حرب مفتوحة تأكل المدن والقرى والناس.
من الثورة إلى الانقلاب.. الطريق إلى الحرب
حين خرج السودانيون في ديسمبر مطالبين بالحرية والسلام والعدالة، كانوا يعتقدون أن إسقاط البشير يعني نهاية حقبة الإسلام السياسي العسكري. لكن ما حدث لاحقاً كشف أن بنية النظام القديم لم تُفكك بالكامل.
فانقلاب أكتوبر 2021 لم يكن مجرد صراع على السلطة بين المدنيين والعسكريين، بل كان لحظة ارتداد كبرى ضد مشروع الدولة المدنية. ومنذ تلك اللحظة، بدأ الانتقال الديمقراطي يتآكل تدريجياً، بينما استعادت شبكات النظام السابق نفوذها داخل المؤسسات، مستفيدة من الانقسام السياسي والعسكري.
ثم جاءت حرب أبريل 2023 لتكشف الوجه الأكثر دموية للأزمة. حربٌ بدت في ظاهرها صراعاً بين الجيش والدعم السريع، لكنها في العمق كانت انفجاراً لمعادلة مختلة تأسست طوال عقود من حكم الإسلاميين القائم على عسكرة السياسة وتسييس المؤسسة العسكرية وتغذية المليشيات. لهذا تبدو الحرب الحالية، بالنسبة لكثير من القوى المدنية، امتداداً طبيعياً لمسار الانقلاب، لا حدثاً منفصلاً عنه.
«لا شرعية للعسكر ولا عودة للإخوان»
ما يميز خطاب نيروبي أنه يحاول كسر الثنائية التي سيطرت على السودان منذ اندلاع الحرب: إما الانحياز لهذا المعسكر أو ذاك. فالقوى المدنية الموقعة على إعلان المبادئ تطرح معادلة مختلفة تماماً: رفض الحرب، ورفض منح الشرعية لأي سلطة عسكرية، ورفض إعادة إنتاج الإسلاميين تحت أي لافتة.
هذه المعادلة تعكس إدراكاً متزايداً بأن أي تسوية سياسية لا تعالج جذور الأزمة ستتحول إلى هدنة مؤقتة تمهد لحرب جديدة. لذلك شدد البيان على العدالة والمحاسبة ورفض الحصانات، باعتبار أن الإفلات من العقاب كان دائماً الوقود الذي يغذي دورات العنف في السودان.
كما أن الحديث عن «الكتلة الثالثة» يحمل دلالة سياسية مهمة؛ فهو محاولة لبناء تيار مدني مستقل عن الاستقطاب العسكري، يعيد الاعتبار لمطالب الثورة ويمنح السودانيين بديلاً خارج منطق البنادق.
الحرب التي التهمت السودان
خلال أكثر من ثلاث سنوات، لم تعد الحرب مجرد معركة عسكرية، بل تحولت إلى ماكينة لتفكيك المجتمع السوداني نفسه. ملايين النازحين واللاجئين، انهيار الخدمات الصحية، اتساع المجاعة، وتصاعد خطاب الكراهية والعنصرية والانقسام المناطقي؛ كلها نتائج لحرب تجاوزت حدود الصراع على السلطة إلى تهديد فكرة الدولة ذاتها.
ولهذا تبدو الرسالة الأهم في إعلان نيروبي هي أن السودان لم يعد يحتمل تسويات رمادية أو إعادة تدوير للنخب القديمة. فإما مشروع مدني ديمقراطي يعيد بناء الدولة على أسس جديدة، أو استمرار الانهيار المفتوح.
هل ينجح المسار المدني؟
التحدي الحقيقي أمام القوى المدنية لا يكمن فقط في إصدار البيانات أو بناء التحالفات، بل في قدرتها على استعادة ثقة الشارع السوداني المنهك بالحرب والانقسامات. كما أن نجاح أي مشروع سياسي مرهون بقدرته على مواجهة نفوذ السلاح وشبكات المصالح المرتبطة باستمرار الحرب.
لكن رغم صعوبة الطريق، فإن مجرد عودة خطاب مدني واضح يربط بين وقف الحرب وإنهاء نفوذ الإسلاميين والعسكرة، يمثل محاولة لإحياء روح ديسمبر التي حاولت الحرب دفنها تحت الركام.
وفي بلد أنهكته الانقلابات والحروب، ربما تكون المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط ضد الرصاص، بل ضد ذلك «الخيط العنكبوتي» الذي ظل لعقود يربط السلطة بالسلاح والأيديولوجيا، ويمنع السودان من الوصول إلى دولة مدنية تتسع للجميع.
