البحثُ عن إنسانٍ لم يحترق، في أرضٍ مَحروقة

الجميل الفاضل يكتب:

في كلِّ أرضٍ عبرتْها الحرائق، ينشغلُ الناسُ بالبحثِ عن ناجين تحت الأنقاض، لكنّ القليلين فقط هم من يُنقِّبون داخل نفوسهم عن ذلك الإنسانِ الذي لم تأكله النار بعد؛

هو إنسانٍ عاديٍّ، بلا هالةِ أساطير، ولا صخبِ بطولات، يخرج من أتونِ النار محتفظاً بما هو أثمنُ من النجاة نفسها: “قلبه”.

إنسان لم يلتثْ عقلُه بغبارِ البنادق، ولم تُطفئْ بصيرتَه سُحُبُ الدخان.

يمشي وسط هذا الليل ببردِ يقينٍ خفي، كأنّ اللهَ قد ألبسه معطفاً من الطمأنينة لا تراه العيون.

إنسان حين تتوحشُ الكراهيةُ في الوجوه، يبقى هو حارساً لما تبقّى من المعنى الإنسانيِّ في هذه البلاد.

ذلك الإنسانُ هو الدِّرعُ الأخير للسودان.

هو البقيّةُ التي نجتْ من التهام ِ الحريق.

إنسان لم تستطع العنصريةُ أن تنتزعَ من روحه ثوبَ المروءة، ولم يفلح الحقدُ في تلطيخِ بياضِ سريرته.

اختار أن يكون غيمةً تمرُّ فوق رؤوس المنهكين، بينما اختار سَدَنةُ الحرب أن يجعلوا هذا الإنسانَ نفسه حطباً لمواقدِ فتنهم المتطاولة.

فحين نتأملُ هذا “المستورَ بالعناية”، تترددُ في أرواحنا وصيةُ الشاعر محمود درويش في قصيدته فكر بغيرك:

> “وأنتَ تُعِدُّ فطورَك، فكِّرْ بغيرك…

لا تنسَ قوتَ الحمام”

فيما السودانَ الجريح يهمسُ اليوم بصوتٍ يغبره الرماد:

وأنتَ تبحثُ عن أمانِك، فكِّرْ في ذاك الذي صار الخوفُ وطنَه الأخير.

وأنتَ تُطلقُ أحكامَك على الوجوه، تذكّر أنّ بعضَ الكلماتِ قد تكونُ أكثرَ وحشيةً من الرصاص.

فالإنسانُ الذي لم يحترق هو ذاك الذي أدرك، في ذروةِ هذا الجنون، أنّ المحبةَ ليست ترفاً أخلاقياً، بل سفينةُ نجاةِ أخيرة من طوفان الكراهية.

هو ذلك الذي فهم أنّ الطريقَ إلى الله لا يُقطعُ بضجيج الادعاءات، لكن حين تُطفئَ نارَ نفسك من أجل سلام الآخرين، وأن تعبرَ إلى الله خفيفاً من الأذى، ممتلئاً بالرحمة.

فوقت قال النداءُ الإلهي:

“يا نارُ كوني برداً وسلاماً على إبراهيم”،

لم تكن المعجزةُ في إخمادَ النار، لكن بتحويلَها من لعنةِ فناءٍ إلى بردٍ وسلام.

ولذلك، فإنّ القريبَ من الله لا يتحولُ إلى أداةِ حريق، بل يصيرُ نهراً صغيراً من الطمأنينة يمشي بين الناس، كلما مرَّ على قلبٍ متعبٍ ترك فيه شيئاً من ظل.

لعلّ الشيخ الشيخ البرعي لخّص هذا السرَّ كلَّه في بيت قصير:

> “بوريك طِبَّك…

أحسِنْ في مَن عاداك ومَن يحبُّك”

ذلك هو “الطِّبُّ السوداني” الذي يحاولون اقتلاعَه من جذوره؛ أن تُداوي الإساءة بالإحسان، وأن تواجهَ القسوةَ بفيضِ المروءة، لا بمنطقِ الثأر الذي لا يُنبتُ سوى مزيد من المقابر.

علي أية حال، في مثل هذا الزمنِ المختنق، لا نطلبُ من الناس خطباً رنانة عالية الصخب، ولا ضجيجاً بطولياً زائفاً، لكن نطلبُ شيئاً أكثرَ صعوبةً وأشدَّ ندرة:

أن يظلوا بشراً، حين يصيرُ التنمر والتوحشُ هو اللغةَ الوحيدة السائدة.

ولذلك أقول: كونوا “غدّةَ حبٍّ” صغيرةً في جسدٍ أنهكتْه سمومُ الكراهية.

اعملوا بصمتِ الأشياءِ الواجبة العظيمة؛ فالأشجارُ لا تُحدِثُ جلبةً وهي تمنحُنا الثمار، والأنهارُ لا تصرخُ وهي تُحيي اليابسة.

كونوا رئةً ثالثةً لمن اختنقوا بدخانِ الحرب، كونوا نافذةً صغيرةً يدخلُ منها الهواءُ إلى أرواحٍ أغلقتْ الفتنةُ منافذَها.

وللحقيقة فإنّ الرهانَ اليوم ليس على السلاح، لكن على هؤلاء “المستورين” وحدهم؛ أولئك الذين لم تنجحْ ثلاثون عاماً من التشويه في اقتلاعِ قطرةِ نور صغيرة من قلوبهم.

المهم فالسودانُ لا يموتُ ما دام فيه أناسٌ يرون الإحسانَ ديناً، والسترَ مذهباً، والمحبةَ ركناً من أركانِ النجاة.

لذا أقول: كونوا بَرداً… كونوا سلاماً… كونوا ذلك الضوءَ الخافت الذي تعجزُ الحرائقُ كلُّها عن ابتلاعه.

بيد أن، أخوفَ ما أخافه عليكم ليس هو الحرب، لكنه اليأس.

فاليأسُ في السودان لم يعد شعوراً عابراً، فقد صار وباءً روحياً ينهشُ المناعةَ الخفيةَ لهذه البلاد.

وبالطبع فإن أخطرُ ما تفعله الحروبُ ليس قتلَ الأجساد، لكن إقناعَ الناس بأن أرواحهم قد فسدتْ إلى الأبد، وأن النورَ الذي كان يسكنهم قد انطفأ.

لقد بدأتُ ألمحُ، بين ثنايا بعض التعليقات، نبرةً موجوعةً تشكّكُ في قدرةِ الإنسانِ السوداني على استعادةِ نفسه.

كأنّ البعضَ يسألُ بحزنٍ كثيف:

هل بقي تحت هذا الركام شيءٌ يستحقُّ الإنقاذ؟

لكنّ هؤلاء، رغم صدقِ وجعهم، وقعوا ضحيةَ مشروعٍ طويلٍ أراد أن يُقنع السودانيَّ بأن معدنَه قد تآكل، وأن الوديعةَ الإلهيةَ التي بداخله قد سُرقت.

رغم أنّ الحقيقةَ أعمقُ من هذا الخراب، وأبقى من الدخان.

فما أسمّيه “صندوقَ الودائعِ الإلهية” القابع في عمق الشخصيةِ السودانية ليس صندوقاً هشّاً تكسره الحروب، لأنه في الحقيقة خزانةٌ روحيةٌ موصولةٌ بسرِّ العناية الكبري.

إذ أنّ الصدقَ، والسترَ، والعفّةَ، والتواضعَ، والإيثار، ليست أخلاقاً طارئةً على هذا الشعب، إنها طبقاتٌ عميقةٌ تشربتها روحه منذ الأزل؛

هي أشياءُ تشبهُ مجرى النيل:

قد يختفي الماءُ موسماً، لكنّ النهرَ لا ينسى طريقَه إلى البحر.

ولذلك، فإنّ اليأسَ ليس ضعفاً نفسياً، لكنه خيانةٌ خفيةٌ لذاكرةِ تلك الروح.

عموما فإن التشكيكَ في هذا السرِّ الجميل يمنحُ غرفَ الفتنة انتصاراً مجانياً؛ إذ هي لا تريدُ فقط أن نهزمَ بعضنا، لكن أن نفقدَ إيمانَنا بأنفسِنا في النهاية.

فلو أنكم امعنتم النظر جيداً تحت رمادِ الأخبار… ستجدون أن “صندوقَ الودائع” هذا يُفتحُ كلَّ يومٍ في تكايا “غرف الطؤاري”، وفي البيوتِ التي تقتسمُ آخرَ ما لديها مع الغريب، وفي أرواحِ أناسٍ يصبرون على الأذى بوقارِ الأنبياء، كأنّ في صدورهم نافذةً سريةً تطلُّ على الله.

مثل هذه الأفعالُ ليست استثناءاتٍ عابرة، لكنها إشاراتُ حياة.

تعطي الدليلُ على أنّ الذهبَ لا يصدأ، وأنّ النارَ، مهما اشتعلت، لا تستطيعُ أن تأكلَ جوهرَ الأشياء.

ولذا، فإننا لا نبحثُ عن وهم، لكننا نُزيلُ هذا الصدأَ عن جوهرٍ نجا من الحريق.

ليصبح اللقاحُ الحقيقيُّ ضدَّ هذا الخراب كله هو “يقينُ العمل”:

أن تؤمنَ بأنّ في كلِّ سودانيٍّ، مهما شوّهته الحرب، بذرةَ نورٍ تنتظرُ فقط لمسةَ محبةٍ كي تُضيء من جديد.

لقد وضع اللهُ شيئاً من سرِّه في هذه البلاد وأهلها.

وسرُّ الله لا يحترق.

فكفّوا عن رجمِ ذواتِكم باليأس، وافتحوا صناديقَ ودائعكم بالخيرِ والإحسان؛ فالسودانُ الذي نحلمُ به لا يسكنُ القصورَ ولا الشعارات، لكنه يختبئُ في تلك الزوايا الصغيرة التي ما تزالُ تُضيءُ رغم هذا الليل الطويل.

أكاد أجزم ان معدنُنا لا يزال بخير… وأن صندوقُنا ما يزالُ عامراً… وأن ما نحتاجه الآن فقط، هو جرعةُ يقينٍ تعيدُ إلى أرواحنا القدرةَ على عبورِ هذا الرماد نحو الضفةِ الأخري المباركة، التي ظلت تنتظرُنا منذ الأزل.