
الموسم الزراعي في السودان.. وعود حكومية وتحديات واقعية.. هل تنجو “سلة الغذاء” من شبح الفشل
الخرطوم ، الغد السوداني – أمين محمد الأمين
“بينما تلوح في الأفق بوادر الموسم الزراعي الصيفي، يجد المزارع السوداني نفسه محاصراً بين تحديات اقتصادية عاصفة وتعقيدات إدارية مزمنة، تهدد بتحويل سلة غذاء البلاد إلى ساحة للأزمات المتلاحقة. ومع اقتراب الميقات الزمني للزراعة، تزداد وتيرة التحذيرات من خبراء اقتصاد وقادة ميدانيين، أجمعوا على أن الوعود الحكومية بتوفير التمويل والمدخلات قد تصطدم بجدار الواقع المتمثل في شح السيولة، تدهور البنية التحتية للري، وتضارب الصلاحيات بين المؤسسات.
رؤية رسمية
وفي مسعى لاحتواء الموقف، أعلنت وزارة المالية السودانية عن تنسيق مشترك مع البنك المركزي لتأمين التمويل اللازم لمدخلات الإنتاج للموسم الزراعي الجديد. وأكد اجتماع مشترك ضم وزراء المالية والزراعة ومحافظ البنك المركزي، الأحد، على وضع أولوية قصوى لتوفير الأسمدة والتقاوي والوقود، مع توجيهات صريحة بإشراك القطاع المصرفي في تمويل العمليات الإنتاجية. كما شدد الاجتماع على ضرورة اتساق السياسات المالية والنقدية ودعم التحول الرقمي المصرفي لخدمة أهداف الدولة والمواطن.
جملة تعقيدات
وفي هذا الصدد، رسم الخبير الإداري والاقتصادي، محمد نور كرم الله كركساوي، صورة ضبابية لمستقبل الموسم الزراعي بالسودان، متوقعاً حدوث عجز في الإنتاج يتجاوز حاجز الـ 50%، وعزا ذلك إلى تقاطع جملة من التعقيدات الجيوسياسية، والاقتصادية، والميدانية التي تحيط بالبلاد.
عقبات لوجستية
واعتبر كركساوي أن التحرك الحكومي الأخير لتأمين مدخلات الإنتاج جاء متأخراً بنحو شهر عن المواقيت المثالية، مؤكداً أن “الجدية في التنفيذ” هي الرهان الوحيد للحاق بالركب. وأوضح أن نجاح الموسم يعتمد على ثلاثة محاور رئيسية هي: (الأسمدة، البذور والتقاوي، والوقود)، مشيراً إلى أن استيراد هذه المدخلات يواجه عقبات دولية نتيجة التوترات في المنطقة، مما أدى لارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما سينعكس حتماً على التكلفة النهائية للإنتاج.
سياسات تعجيزية
وفي تحليله للوضع المصرفي، أكد كركساوي أن حرب الخامس عشر من أبريل قد دمرت الكتلة النقدية وأدت إلى انكماش اقتصادي حاد بنحو 40%، مما أضعف قدرة البنوك على التمويل. وأضاف: “يعاني الاقتصاد من جفاف في منابع العملة الصعبة؛ حيث توقفت القروض والمنح، وتراجعت تحويلات المغتربين بنسبة 80%، ما دفع التضخم لمستويات قياسية تجاوز فيها سعر الدولار حاجز الـ 4200 جنيه”. كما انتقد سياسات التمويل المصرفي التي وصفها بـ “التعجيزية”، موضحاً أن المصارف تشترط ضمانات من الدرجة الأولى كالعقارات، بدلاً من الاعتماد على ضمان المحصول، مما تسبب في بقاء مساحات شاسعة (تُقدر بـ 73 مليون هكتار) خارج دائرة الاستثمار.
عوائق إضافية
ولم يغفل الخبير الاقتصادي الأثر الأمني على القوى العاملة، محذراً من أزمة حادة في الموارد البشرية نتيجة نزوح المزارعين من مناطق الإنتاج الملتهبة في كردفان، والجزيرة، والنيل الأبيض، وشرق السودان. وأشار إلى أن استنزاف الشباب في العمليات العسكرية أدى لندرة الأيدي العاملة وارتفاع أجورها بشكل مضاعف، مما يضع عوائق إضافية أمام الإنتاجية.
نقص حاد
وفي سياق متصل، شدد كركساوي على عقبة إضافية لا تقل خطورة، وهي تضرر سلاسل الإمداد نتيجة التوترات المحلية والإقليمية. وأشار إلى أن هذا الاضطراب سيمتد ليشمل النقص الحاد في قطع غيار الآليات الزراعية، مما يضع علامات استفهام كبرى حول القدرة على تأهيل الأسطول الزراعي وإعادته للخدمة في الوقت المناسب.
شلل العمليات
كما لفت الانتباه إلى أزمة البنية التحتية للري، مؤكداً أن تأهيل القنوات وصيانتها يمثل تحدياً لوجستياً وفنياً معقداً. وأضاف أن تعثر هذه العمليات، بدءاً من تحضير الأرض وصولاً إلى مراحل الحصاد، يشكل عاملاً حاسماً قد يؤدي إلى شلل العمليات الإنتاجية الميدانية، مما يعزز المخاوف من فشل الموسم الزراعي ما لم يتم تدارك هذه الاختلالات الهيكلية بشكل عاجل.
فجوة إنتاجية
واختتم كركساوي إفادته بعدم التفاؤل حيال مخرجات الموسم الذي يبدأ في يونيو وينتهي في أكتوبر، مؤكداً أنه في حال عدم انطلاق العمليات الزراعية خلال الشهر المقبل، فإن البلاد ستواجه فجوة إنتاجية كبرى، مشدداً على أن المخرج الوحيد يكمن في وقف الحرب واستعادة الاستقرار السياسي والاقتصادي.
عقبات متكررة
تلك المخاوف الاقتصادية الكلية تتطابق مع الأنين الميداني من قلب المشاريع الإنتاجية؛ حيث كشف القيادي بالقسم الجنوبي لمشروع الجزيرة، علاء الدين بيلاوي، عن تعقيدات حادة تحاصر الترتيبات الجارية، واصفاً أزمة “التمويل” بأنها العقبة المتكررة التي تهدد المزارعين في كل موسم دون حلول جذرية.
وضع ضبابي
وأوضح بيلاوي أن تميز مشروع الجزيرة بقانون خاص تحول إلى “ذريعة” تعيق تدفق التمويل؛ حيث تتعلل وزارة المالية بالوضعية الاعتبارية للمشروع. وأبدى بيلاوي مخاوفه من استمرار هذا الوضع الضبابي، مطالباً بضرورة تكوين لجنة عليا لإنجاح الموسم تحت الإشراف المباشر لرئيس مجلس الوزراء، لضمان متابعة القرارات وتوفير المدخلات عبر نظام تمويلي ميسر يتجاوز التعقيدات البيروقراطية.
دس محافير
وفي نقد لاذع للأوضاع الفنية، أكد بيلاوي أن منظومة الري تمثل الضلع الأهم لنجاح الموسم، إلا أنها تعاني من تقاطعات حادة بين وزارتي الزراعة والري وإدارة المشروع. وأشار إلى أن انفراد وزارة الري بالقرار الفني خلق حالة من الصراع الإداري، واصفاً إياها بـ “سياسة دس المحافير” التي أعاقت إيجاد حلول سريعة للمشكلات المتفاقمة في القنوات والمجاري المائية.
تدخل فوري
وناشد القيادي بالقسم الجنوبي رئيس مجلس الوزراء بالتدخل الفوري لفك الاشتباك الإداري وتحديد العلاقة بين إدارة الري والمشروع قبل فوات الأوان. ورغم إشادته بالجهود “المقدرة” التي يبذلها محافظ المشروع، إلا أنه شدد على أن تلك الجهود وحدها لن تكفي ما لم تُحسم المشكلات الهيكلية والتمويلية من أعلى سلطة في الدولة، محذراً من أن أي تأخير سيؤدي حتماً إلى ضياع جهود المزارعين.
سباق الزمن
ختاماً، يبقى السؤال الذي يواجه صُنّاع القرار في السودان: هل تكفي التعهدات والخطط الورقية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أم أن البيروقراطية وصراعات الصلاحيات ستجهض الموسم قبل أن يبدأ؟ إن الإجابة تكمن في سرعة تحويل الوعود المالية إلى وقود وتقاوي وأسمدة على الأرض، في سباق محموم مع الزمن لتفادي خروج مساحات شاسعة من رقعة الإنتاج عن السيطرة.
