قطاع السكر في السودان… كيف تتحول الفرص المهدرة إلى رافعة للاقتصاد؟
محمد نور كرم الله كركساوي يكتب ..
لم يعد الحديث عن السكر في السودان مجرد نقاش حول سلعة استهلاكية أساسية، بل صار مرآة تعكس اختلالات أعمق في إدارة الموارد، وفرصا اقتصادية مهدرة كان يمكن أن تغيّر ملامح قطاع كامل. فوفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، يبلغ متوسط استهلاك الفرد في السودان نحو 33.7 كيلوجرامًا سنويًا، وهو رقم يفوق المتوسط العالمي الذي يدور حول 19 إلى 24 كيلوجرامًا بنسبة تصل إلى 70% تقريبًا.
هذا الفارق ليس مجرد رقم إحصائي، بل مؤشر واضح على حجم الطلب المحلي الكبير، الذي يُفترض أن يكون حافزًا للإنتاج، لا سببًا للعجز. لكن الواقع يقول غير ذلك: إنتاج المصانع المحلية لا يغطي سوى نحو نصف الاستهلاك، ما يضطر البلاد إلى استيراد ما بين 45% إلى 50% من احتياجاتها من السكر، في وقت تعاني فيه من شُح العملات الأجنبية.
مفارقة الوفرة والعجز
المفارقة اللافتة أن السودان لا يعاني من نقص الموارد، بل من ضعف إدارتها. فشركة السكر السودانية (مؤسسة السكر سابقًا) تمتلك أربعة مصانع رئيسية: الجنيد، سنار، عسلاية، وخشم القربة، إلى جانب شراكات في كنانة والنيل الأبيض. هذه المشاريع تمتد على مساحة تقارب 168 ألف فدان، مزودة بأنظمة ري انسيابي، وبنية تحتية، وموارد بشرية، تجعلها — نظريًا — قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي، بل والتصدير.
لكن على أرض الواقع، تتراجع الإنتاجية إلى مستويات مقلقة، في ظل تدني كفاءة التشغيل، وضعف استغلال الأراضي، وغياب الرؤية الاستراتيجية.
أراضٍ خارج الحساب
من أبرز مظاهر الهدر، وجود آلاف الأفدنة غير المستغلة. فهناك أكثر من 13 ألف فدان تُصنف كأراضٍ بور أو خدمات، أي نحو 8% من المساحة الكلية، إضافة إلى 6500 فدان ضمن الدورة الزراعية يمكن استثمارها دون الإضرار بمحصول القصب.
هذه المساحات ليست هامشية، بل تمثل فرصة اقتصادية حقيقية. إذ يمكن توظيفها في زراعة محاصيل موسمية سريعة العائد مثل البقوليات والخضروات، أو في إنتاج حيواني يحقق الاكتفاء للعاملين ويضخ فائضًا للأسواق. كما يمكن استغلال ضفاف الترع والطرق الداخلية في زراعة الأشجار ذات القيمة الاقتصادية، من الفاكهة إلى الغابات.
دراسات سابقة تشير إلى أن استثمار هذه المساحات وحدها يمكن أن يدر عائدًا سنويًا يتجاوز 5 ملايين دولار — رقم ليس ضخمًا في المطلق، لكنه كفيل بتخفيف أعباء التشغيل ودعم استدامة المصانع.
لماذا تراجعت الإنتاجية؟
الخلل لا يرتبط بعامل واحد، بل بمنظومة كاملة. ضعف التمويل، تضخم الجهاز الإداري، تراجع البحث العلمي، وغياب الحوكمة الفعالة، كلها عوامل أدت إلى تدهور جودة الإنتاج، حتى انخفضت نسبة السكر في القصبة من نحو 13% إلى ما بين 6 و7% فقط. هذا بالاضافة الى التدهور العام على مستوى المصانع الاربعة قد بلغ اكثر من ٨٠% .
هذا التراجع لا يعني فقط انخفاض الإنتاج، بل زيادة التكلفة، وفقدان القدرة التنافسية، وتعميق الاعتماد على الاستيراد.
السؤال المؤجل
يبقى السؤال الأهم: ما هي رؤية الدولة لقطاع السكر؟
هل هو عبء تسعى الحكومة للتخلص منه ؟ أم قطاع استراتيجي يجب إعادة بنائه؟
الإجابة على هذا السؤال تحدد المسار. لكن، أياً كان الخيار، فإن الإصلاح لا يمكن أن يتم دون إعادة هيكلة شاملة، تبدأ من الإدارة ولا تنتهي عند الحقول.
طريق الإصلاح
الإصلاح هنا ليس مستحيلاً، بل واضح المعالم:
إعادة هيكلة إدارية تقلص الترهل وتفصل بين الاقسام (قسم السكر وقسم الخدمات) . هذا مع
الاستغلال الكامل للمساحات الزراعية بدل تركها خارج الإنتاج.
تطبيق صارم لمبادئ الحوكمة ومكافحة الفساد والرعى الجاير .
توفير تمويل ذكي عبر شراكات أو قروض ميسرة.
إعادة تأهيل البنية التحتية للمصانع.
إدخال التقانات الحديثة في الزراعة والصناعة.
وتفعيل دور البحث العلمي لرفع جودة الإنتاج.
كما أن إشراك المجتمعات المحلية في سلاسل القيمة يمكن أن يحول هذه المشاريع إلى مراكز تنمية حقيقية، لا مجرد وحدات إنتاج معزولة.
ما بين الممكن والواقع
قطاع السكر في السودان يقف اليوم عند مفترق طرق: إما الاستمرار في دائرة العجز والاستيراد، أو التحول إلى رافعة اقتصادية تساهم في تحقيق الأمن الغذائي وتوفير العملات الأجنبية.
المعطيات تشير إلى أن الإمكانات موجودة، والفرص واضحة، لكن الإرادة هي العامل الحاسم. وبين الأرقام الصماء والحقول الممتدة، يبقى السؤال معلقًا:
هل تتحول مصانع السكر من عبء على الاقتصاد ام إلى فرصة لإنقاذه؟
