فوز آخر لـ” سمر إبراهيم”.. الصحافة الإنسانية جسر بين شعبي وادي النيل
عبدالوهاب جمعه يكتب ..
في مشهد يعيد الاعتبار للصحافة الجادة والملتزمة، توجت الزميلة الصحفية المصرية سمر إبراهيم بجائزة مصطفى وعلي أمين – فرع الصحافة الإنسانية، عن تحقيقها الاستقصائي “شهادات ضحايا الإذلال الجنسي على يد الدعم السريع في السودان”.
هذا التكريم ليس مجرد جائزة أخرى تضاف إلى سجلها المهني، بل هو اعتراف بنموذج نادر في الصحافة العربية، وهو نموذج الصحفية التي لا تكتفي بنقل الخبر، بل تغوص في عمق المعاناة الإنسانية لتخرج منها بجانب مهم من الحقيقة، وكأنما سمر ابراهيم تنتشل أصواتا كانت ستظل مدفونة تحت ركام الحرب والصمت.
لطالما كانت سمر إبراهيم حالة استثنائية في المشهد الإعلامي المصري، ليس لأنها تغطي شؤون السودان وأفريقيا فحسب، بل لأنها تمكنت من بناء معرفة تراكمية وتحليل عميق لمجريات الأحداث السودانية، جعلها أقرب إلى الباحثة المتخصصة منها إلى المراسلة العابرة.
تغطية شؤون السودان أمر معقد، لان السودان يحمل تعقيدات تاريخية وسياسية واجتماعية ويتميز بواقع ربما مغاير عن باقي الدول العربية والافريقية. لكن الاستاذة سمر ابراهيم استطاعت الالمام بهذا النسيج المعقد والديناميكي ونسجت منه قصص انسانية.
فوز الاعلامية سمر ابراهيم بهذه الجائزة يؤكد أهمية الصحافة التي تلامس الجراح وتوثق الانتهاكات، في عالم الاعلام الذي تتحول فيه منصاته الى “التسسيس” وتصبح جزء من الصراع السياسي تظل سمر مثالا للصحفية التي تضع الإنسانية فوق كل اعتبار، والتي تدرك أن تغطية الحرب لا تكتمل دون تسليط الضوء على أكثر الفئات ضعفا وتهميشا.
وليس هناك أكثر هشاشة من النساء والفتيات اللواتي يدفعن الثمن الأغلى في صمت مفجع.
تقول سمر في منشور لها على صفحتها بفيسبوك، معبرة عن روحها المهنية الأصيلة: “تشرفت باستلام جائزة مصطفى وعلي أمين، فرع الصحافة الإنسانية عن تحقيق شهادات ضحايا الإذلال الجنسي على يد الدعم السريع في السودان”.
تضيف سمر:” هذا التكريم أعتز به، وأعتبره تقديرا لدور الصحافة في نقل الحقيقة من قلب مناطق النزاع.”
هذه الكلمات تحمل بين سطورها إدراكا عميقا للمسؤولية الأخلاقية التي تقع على عاتق الصحفي في زمن تتعدد فيه الروايات وتتشظى الحقيقة.
لكن الأجمل في هذا التكريم، وأعمقه دلالة، هو ذلك الوفاء الأخلاقي الذي يضيء كلماتها حين تهدي الجائزة إلى أولئك النساء السودانيات المجهولات، تقول سمر: “أهدي هذا التكريم إلى الفتيات والنساء السودانيات اللائي تحملن ما لا يحتمل، وواجهن العنف والانتهاك في صمت قاسي. إلى من نجون، وما زلن يحملن آثار ما حدث في أرواحهن قبل أجسادهن. إلى من قررن أن يحكين، رغم الخوف، ليبقين شاهدات على الحقيقة”
بيد أن سمر لا تكتفي بذلك وانما تقدم هذا التكريم إلى الشعب السوداني وإلى شهداء الصحافة السودانية الذين دفعوا حياتهم ثمنا للحقيقة.”
هذا الاهداء ليس مجرد مجاملات خطابية، بل إعلان انحياز واضح للضحية، وتجسيد حي لمعنى التضامن العابر للحدود. فالذي يجمع بين الصحفيين في مختلف مشارف الارض وتعدد وسائط عملهم هو “روح التضامن” ، وهو السبب الاول في بقاء شعلة الصحافة متقدة.
اعمال سمر ابراهيم ليست مجرد تغطيات صحفية وانما تحمل على عاتقها دور أكبر وهو “تعزيز العلاقات السودانية المصرية” التي يجمع بين شعبي مصر والسودان نهر النيل الخالد.
تقدم سمر وجهة نظر مغايرة تظهر فيها كـ” صوت عال للتكامل بين مصر والسودان”، وهو صوت يظهر المصير الجغرافي والتاريخي المشترك.
تغطيات سمر ابراهيم المعمقة والمستمرة للشأن السوداني، ووقوفها إلى جانب السودانيين في محنتهم، يقدم صورة مشرقة للعلاقات المصرية السودانية.
في ختام كلماتها، لا تنسى سمر أن ترفع صوتها بما هو أكبر من الجائزة، معلنة موقفا إنسانيا صريحا: ” بهذه المناسبة، أتمنى وقف الحرب في السودان التي بدأت في عامها الرابع ولم تضع أوزارها حتى الآن، كما أتمنى تحقيق السلام الذي لم يعد خيارا سياسيا ، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية.” إنها دعوة صادقة من قلب صحفية رأت بعينيها آثار الحرب والتدمير، وعرفت أن الحقيقة وحدها لا تكفي، بل لا بد من عمل وسعي حثيثين لوقف نزيف الدم السوداني.
فوز سمر إبراهيم بهذه الجائزة هو انتصار للصحافة الإنسانية في عالم يزداد قسوة، وهو تكريم لدور المرأة العربية في مجالات كانت تعتبر حكرا على الرجال.
