العائدون والمتعاونون..حين تختلط الحقيقة بضجيج الاتهام

نبض قلم
عادل تاج الدين جار النبي

بين ضجيج السلاح وصخب الخطاب، تتوارى الحقيقة في السودان خلف ثنائياتٍ حادة لا تحتمل التعقيد. فبين “العائدين” من صفوف قوات الدعم السريع، و”المتعاونين” الذين تُلاحقهم التهم، يقف المجتمع في منطقةٍ رمادية، لا تُرى فيها الوقائع بوضوح، بل تُعاد صياغتها وفق موازين القوة والانفعال.
الحرب، في جوهرها، ليست فقط صراعًا على السلطة، بل امتحانٌ قاسٍ للأخلاق. وفي هذا الامتحان، لم تكن التجاوزات حالاتٍ معزولة، بل تحوّلت إلى أنماط: اعتداءات على المدنيين، انتهاك للممتلكات، فرض إتاوات، وترويعٌ يوميّ للسكان. الأخطر من ذلك، هو تبرير هذه الممارسات بخطاباتٍ تُلبس العنف ثوب الضرورة، وتمنحه شرعية زائفة.
في هذا السياق، يُقدَّم بعض “العائدين” كأنهم طووا صفحة الماضي بمجرد تغيير الموقع، وكأن الانتقال من خندقٍ إلى آخر يُسقط ما سبقه. لكن الأخلاق لا تُقاس بالبيانات، بل بالاعتراف والمساءلة. فالتوبة، إن لم تُبنَ على كشف الحقيقة وتحمل المسؤولية، تتحول إلى مجرد إعادة تموضع، لا أكثر.
في المقابل، يُرمى بمصطلح “المتعاونين” على طيفٍ واسع من الناس، دون تمييزٍ بين من اختار موقعه عن قناعة، ومن وجد نفسه مضطرًا للتعامل مع واقعٍ قاهر. وهنا، يختل الميزان: يُدان من لا خيار له، ويُغضّ الطرف عمّن امتلك الخيار ومارس الانتهاك. وبين هذا وذاك، تُختزل القصص الإنسانية المعقّدة في تهمٍ جاهزة.
المفارقة أن كلا الخطابين, الاحتفائي بالعائدين، والاتهامي للمتعاونين, ينتج النتيجة نفسها: تشويه العدالة. فالأول قد يفتح باب الإفلات من العقاب، والثاني قد يرسّخ ظلمًا جديدًا باسم الوطنية. وهكذا، تدور الحلقة: اتهامٌ بلا تحقيق، وتبرئةٌ بلا محاسبة.
إن الخروج من هذا المأزق لا يكون بإعادة تدوير المصطلحات، بل بإعادة بناء المعايير. معيارٌ أخلاقي يقرّ بأن كل انتهاك يستوجب مساءلة، بغض النظر عن الفاعل. ومعيارٌ مهني يفرض الدقة والإنصاف، ويرفض التعميم والوصم. ومعيارٌ إنساني يضع في الاعتبار أن كثيرين وجدوا أنفسهم بين المطرقة والسندان، لا لأنهم اختاروا، بل لأنهم لم يجدوا خيارًا.
في النهاية، ليست القضية من سمّيناه “عائدًا” أو “متعاونًا”، بل كيف نُعيد للحق معناه، وللعدالة ميزانها. فالأوطان لا تُبنى على ضجيج الاتهام، بل على شجاعة الاعتراف، ونزاهة المحاسبة، وإرادةٍ حقيقية لعدم تكرار ما حدث.