من إيزيس إلى أمهات اليوم… هل ما زالت الأم قادرة على إنقاذ العالم؟

سهام صالح

صحفية سودانية

في زمنٍ مثقل بالحروب والشتات، يمر عيد الأم لعام 2026 كاختبارٍ آخر لمعنى الأمومة “هل هي مجرد طقس احتفالي؟ أم ذاكرة إنسانية عميقة، تمتد جذورها إلى أولى الحكايات التي نسجها البشر عن الحب والخلاص؟

في مصر القديمة، حيث كُتبت أولى الأساطير على جدران المعابد، ولدت حكاية إيزيس؛ ليست فقط كإلهة، بل كأمٍّ صنعت من الفقد أسطورة، ومن الحزن خلاصاً. إيزيس التي جمعت أشلاء زوجها أوزوريس بعد قتله، وأعادت إليه الحياة، وأنجبت منه حورس، لم تكن مجرد بطلة أسطورية، بل النموذج الأول للأم التي تهزم الموت بالعناية، وتنتصر على الفوضى بالحب.

أمٌّ تصنع العالم من جديد

في أقدم النصوص الجنائزية، مثل متون الأهرام، تظهر إيزيس كحارسة للعبور بين الحياة والموت. لكنها، مع مرور الزمن، تحوّلت إلى ما يشبه “الأم العالمية”؛ رمزاً يتجاوز حدود الدين والجغرافيا.

حملت ألقاباً لا تنتهي: “الأم العظيمة”، “سيدة السحر”، “مانحة القانون”، و”حامية البحّارة”. وفي مدينة منف، كانت تُنسب إليها أقوال تُعيد تعريف العلاقة بين النساء والعالم: “أنا التي علمت الرجال كيف يبجّلون النساء”.

هذه العبارة، التي تبدو حديثة في روحها، تعيدنا إلى سؤال عيد الأم اليوم: هل نحتفي بالأم كرمز، أم كقيمة اجتماعية يجب استعادتها في واقع مضطرب؟

من النيل إلى روما… ثم إلى العالم

لم تبقَ إيزيس حبيسة المعابد المصرية. مع التوسع الهلنستي والروماني، انتقلت عبادتها إلى روما، واليونان، وحتى سواحل إسبانيا. كانت معابدها تُبنى قرب الموانئ، كأنها تحرس الرحلات البشرية في المجهول.

في تلك الرحلة الطويلة، تغيّرت ملامحها دون أن تفقد جوهرها. صارت عند الرومان رمزاً للخلاص، وعند المسيحيين الأوائل تماهت صورتها مع السيدة العذراء “أم تحمل طفلها، تمنح الحنان وتعد بالخلاص”.

هذا التداخل ليس مصادفة، بل دليل على أن صورة الأم، كما جسدتها إيزيس، كانت أعمق من أن تُحاصر في دين واحد أو زمن واحد.

إيزيس في الأدب… من الأسطورة إلى شهرزاد

لم تغادر إيزيس الوعي الإنساني حتى بعد أفول عبادتها. في الأدب العربي، يمكن تلمّس ظلها في شخصية شهرزاد، بطلة ألف ليلة وليلة، التي أنقذت حياتها وحياة الأخريات بالحكاية، كما أنقذت إيزيس العالم بالحكمة والصبر.

شهرزاد، مثل إيزيس، لم تكن ضحية، بل صانعة مصير. امرأة تستخدم المعرفة والحكي كأدوات للبقاء. وهنا يتكرر النموذج ذاته: الأم/المرأة التي تواجه العنف بالخلق، لا بالهدم.

إيزيس والغرب… شغف لا ينتهي

في القرن التاسع عشر، استحوذت إيزيس على خيال الأدباء الأوروبيين، مثل جيرار دو نرفال، الذي رأى فيها صورة الأم الغائبة والحلم المستحيل. وفي أعماله، كانت إيزيس تتجلى كحبيبة، وأم، وإلهة، وذكرى.

بل إن بعض الباحثين ذهبوا أبعد من ذلك، معتبرين أن معالم أوروبية كـ كاتدرائية نوتردام قد بُنيت فوق رمزية أقدم تعود إلى إيزيس، في تداخلٍ غريب بين الوثني والمسيحي، بين الأسطورة والتاريخ.

عيد الأم 2026… ماذا تبقى من إيزيس؟

اليوم، ونحن نحتفل بعيد الأم في عالمٍ تتشظى فيه الأسر بين الحروب والمنافي—خاصة في السودان—تعود إيزيس لا كإلهة، بل كسؤال:

  • هل ما زالت الأم قادرة على لملمة أشلاء العالم كما فعلت؟
  • هل ما زال الحب قادراً على هزيمة الفقد؟

إيزيس لا تقدّم إجابات جاهزة، لكنها تذكّرنا بأن الأمومة ليست بيولوجيا فقط، بل فعل مقاومة يومي. أن تكون أماً، يعني أن تعيد خلق الحياة من الخراب، وأن تزرع الأمل في أكثر اللحظات قسوة.

في عيد الأم 2026، ربما لا نحتاج إلى الورود بقدر ما نحتاج إلى استعادة معنى إيزيس: أن تكون الأم، حيثما كانت، آخر حصون الرحمة في عالمٍ يتداعى.