حين يهدد مضيق هرمز فساتين “شي إن”
المحامية والخبيرة القانونية نون كشكوش تكتب –
في أوقات الأزمات الجيوسياسية الكبرى، غالباً ما يُختزل النقاش في أرقام النفط وتحركات الجيوش. لكن تأثير هذه الأزمات لا يتوقف عند أسواق الطاقة أو غرف القرار السياسي؛ بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للناس، أحياناً بطرق غير متوقعة.
ومن بين تلك التفاصيل، قد يكون انتظار شحنة ملابس اشتراها مستهلك عبر الإنترنت.
خلال الأيام الأخيرة، ومع تصاعد التوترات المرتبطة بالصراع الأمريكي-الإسرائيلي-الإيراني، عاد مضيق هرمز إلى واجهة الاهتمام العالمي. هذا الممر البحري الضيق، الواقع بين إيران وسلطنة عُمان، يعد أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم، إذ يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية. ولذلك فإن أي تهديد بإغلاقه يثير قلقاً واسعاً يتجاوز حدود الشرق الأوسط.
لكن المفارقة أن تداعيات هذا القلق ظهرت أيضاً في فضاءات بعيدة عن النفط والسياسة. فمع الحديث عن احتمال تعطل الملاحة، لاحظ كثيرون ارتياحاً بين بعض المستهلكين – خصوصاً النساء – عند التأكد من استمرار حركة الشحنات القادمة من آسيا، بما في ذلك طلبات التسوق من منصة “شي إن”.
تُعد شركة Shein مثالاً واضحاً على الترابط العميق بين التجارة العالمية وسلاسل الإمداد البحرية. فهذه الشركة التي تتخذ من الصين مركزاً لإنتاجها، أصبحت خلال سنوات قليلة واحدة من أكبر منصات التجارة الإلكترونية في مجال الأزياء السريعة.
وتعتمد استراتيجيتها على طرح آلاف التصاميم سنوياً بأسعار منخفضة – غالباً أقل من 30 دولاراً للقطعة – ما سمح لها بالانتشار سريعاً في الأسواق الأوروبية والأمريكية، خصوصاً بين ذوي الدخل المحدود.
نجاح هذه المنصة، التي تحقق أرباحاً بملايين الدولارات سنوياً، يقوم في جوهره على انسيابية النقل البحري وسرعة سلاسل الإمداد العالمية. لذلك فإن أي اضطراب في الممرات البحرية الكبرى – مثل مضيق هرمز – قد ينعكس على تكلفة الشحن، وسرعة وصول الطلبات، وحتى على الأسعار النهائية للمستهلكين.
وبالنسبة لفئات واسعة من المستهلكين الذين يعتمدون على هذه المنصات لشراء الملابس بأسعار منخفضة، فإن تأخر الشحنات أو ارتفاع الأسعار قد يعني ضغطاً إضافياً على ميزانياتهم المحدودة.
لكن التأثير الأكبر يبقى في سوق الطاقة. فمضيق هرمز ليس مجرد طريق بحري، بل هو شريان استراتيجي للاقتصاد العالمي.
دول الخليج – وعلى رأسها السعودية – تعتمد عليه لنقل معظم صادراتها من النفط والغاز. ورغم وجود بعض خطوط الأنابيب البديلة، فإن قدرتها محدودة مقارنة بحجم الشحنات التي تمر عبر المضيق.
ولهذا السبب، فإن أي تهديد بإغلاقه يثير مخاوف واسعة لدى الدول المستوردة للطاقة، خاصة في آسيا.
تشير بيانات شركة تحليلات الشحن Kpler إلى أن آسيا استوردت عام 2025 نحو 14.74 مليون برميل يومياً من خام الشرق الأوسط، أي ما يقارب 60% من إجمالي وارداتها النفطية البالغة 25 مليون برميل يومياً.
وتذهب الحصة الأكبر من هذه الكميات إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند، وهي اقتصادات تعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة القادمة من الخليج.
هذا الاعتماد يجعل آسيا الأكثر عرضة لتداعيات أي إغلاق طويل الأمد لمضيق هرمز. فارتفاع أسعار النفط قد ينعكس سريعاً على تكاليف النقل والإنتاج، ما يؤدي بدوره إلى موجة تضخم قد تمتد إلى الأسواق العالمية.
في المقابل، قد تكون أوروبا أقل عرضة لصدمة مباشرة في الإمدادات النفطية، نظراً لتنوع مصادرها التي تشمل الولايات المتحدة والنرويج وكازاخستان.
ومع ذلك، فإن القارة ليست بمنأى عن التأثيرات غير المباشرة، خصوصاً في سوق الغاز الطبيعي المسال الذي يأتي جزء منه من منطقة الخليج.
كما أن أي اضطراب في إمدادات النفط العالمية سيؤدي حتماً إلى ارتفاع الأسعار في الأسواق الدولية، وهو ما قد يخلق ضغوطاً اقتصادية وسياسية داخل الدول الأوروبية.
نظرياً، يمكن للسفن التجارية الالتفاف حول مضيق هرمز عبر طرق بديلة مثل رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا. لكن هذه المسارات أطول بكثير، ما يعني زيادة في تكاليف النقل ومدة الرحلات.
كما أن المخاطر الأمنية لا تختفي تماماً؛ فالبحر الأحمر وخليج عدن شهدا في السنوات الأخيرة هجمات على السفن التجارية وهجمات من جماعة الحوثيين، إضافة إلى حوادث قرصنة بحرية.
في ظل القيود المفروضة على حركة السفن، اضطرت بعض الدول المنتجة في الخليج – مثل السعودية والإمارات والكويت والعراق – إلى خفض إنتاجها النفطي إلى ما يقارب ثلث الكمية المعتادة، وهو إجراء يعكس مدى حساسية سوق الطاقة لأي اضطراب في حركة النقل البحري.
تكشف هذه الأزمة، مرة أخرى، عن مدى ترابط الاقتصاد العالمي. فقرار عسكري أو توتر سياسي في ممر مائي ضيق يمكن أن يرفع أسعار الوقود في قارة بعيدة، أو يؤخر وصول شحنة ملابس طلبها مستهلك عبر هاتفه المحمول.
وبينما يركز صناع القرار على حسابات الجغرافيا السياسية، تظل حياة الناس اليومية – من تكلفة الطاقة إلى أسعار الملابس – واحدة من أكثر المؤشرات وضوحاً على حجم تأثير تلك الصراعات.
