حين تضيق الخيارات… هل يكون تفكيك نفوذ الإسلاميين هو المخرج الوحيد لتجنب صدام مع واشنطن؟

حذرت الولايات المتحدة من أن أي أفراد أو جهات تجري معاملات مع جماعة الإخوان المسلمين في السودان قد يواجهون مخاطر فرض عقوبات، وذلك بعدما أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية تصنيف الجماعة “كياناً إرهابياً عالمياً مصنفاً بشكل خاص”، مع اتجاه واشنطن أيضاً لتصنيفها منظمة إرهابية أجنبية.

في السياسة كثيراً ما تبدو الخيارات المتاحة متناقضة، لكن أحياناً تتحول إلى ما يشبه متاهة لا مخرج منها إلا بقرار حاسم. هذا هو المشهد الذي يقف أمامه قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان اليوم، بعد أن دخل لاعب دولي ثقيل الوزن إلى معادلة الصراع في السودان: الولايات المتحدة.

فقرار واشنطن تصنيف إخوان السودان جماعة إرهابية لم يكن مجرد خطوة رمزية في سياق الصراع السياسي السوداني، بل إشارة واضحة إلى أن الملف خرج من حدود التجاذب الداخلي إلى دائرة الأمن القومي الدولي.

طوال الفترة الماضية ظل البرهان ينفي مشاركة الإسلاميين في الحرب الدائرة في البلاد، لكن المعادلة الآن تبدلت. لم تعد ضغوط المعارضة وحدها ما يثقل كاهل قائد الجيش، بل باتت هناك ضغوط خارجية قد تعيد رسم حدود اللعبة السياسية في الخرطوم.

وهنا يبرز السؤال الحاسم: كيف يتعامل البرهان مع هذا التحول؟

خياران… لكن أحدهما أقل كلفة

نظرياً يقف البرهان أمام خيارين.

الأول هو الاستمرار في العلاقة السياسية أو العسكرية مع الإسلاميين، وهو خيار قد يضع السودان في مواجهة مباشرة مع واشنطن، خصوصاً في ظل إدارة أمريكية تميل إلى الحسم في ملفات تعتبرها مرتبطة بالإرهاب أو النفوذ الإيراني في المنطقة.

أما الخيار الثاني فهو إعادة ترتيب المشهد السياسي والعسكري في السودان بما ينهي فعلياً نفوذ الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة.

صحيح أن هذا الخيار ليس سهلاً، فالإسلاميون ظلوا حاضرين في مفاصل الدولة السودانية منذ عقود، لكن كلفته السياسية قد تكون أقل بكثير من كلفة الدخول في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة.

واشنطن… عندما يتحول الملف إلى قضية أمن قومي

في واشنطن لا يُنظر إلى تصنيف الجماعات الإرهابية كخطوة سياسية عابرة. فهذه القرارات تفتح الباب أمام حزمة واسعة من الإجراءات، تبدأ بالعقوبات الاقتصادية والضغوط الدبلوماسية، ولا تنتهي عند احتمالات التدخل غير المباشر.

ويأتي هذا في لحظة يرى فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه لاعباً يسعى إلى إعادة تشكيل التوازنات الدولية، لا مجرد رئيس عابر في سجل الرؤساء الذين تُعلَّق صورهم في ممرات البيت الأبيض.

ولهذا فإن مواجهة سياسية مع إدارة تمتلك مثل هذا الطموح قد تضع السودان في مسار محفوف بالمخاطر.

دروس من تجارب العالم

التاريخ الحديث يقدم أمثلة كثيرة لدول دخلت في مواجهات مشابهة مع واشنطن.

في إيران التي تشهد حرباً مفتوحة الآن في مواجهة واشنطن للمرة الثانية، نجحت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، بالتعاون مع الاستخبارات البريطانية، عام 1953 في إسقاط حكومة محمد مصدق، عبر عملية أطلق عليها “اجاكس”. غير أن هذا التدخل ساهم لاحقاً في تأجيج الغضب الشعبي ضد الشاه، ما مهّد الطريق لقيام الثورة الإسلامية عام 1979.

أما في العراق عام 2003، فقد أطاحت الولايات المتحدة بنظام صدام حسين بسرعة، لكنها واجهت لاحقاً سنوات طويلة من الفوضى والصراع الطائفي وصعود تنظيمات متطرفة مثل تنظيم داعش.

وفي ليبيا عام 2011، أدى التدخل العسكري الدولي إلى سقوط نظام معمر القذافي، لكن البلاد ظلت حتى اليوم تعاني انقساماً سياسياً وصراعاً على السلطة.

كما شهدت أفغانستان تجربة مشابهة؛ إذ أسقطت الولايات المتحدة نظام طالبان بعد هجمات 11 سبتمبر، قبل أن تعود الحركة نفسها إلى الحكم بعد انسحاب القوات الأمريكية عام 2021.

وتظهر هذه الأمثلة أن إسقاط الأنظمة أو إعادة تشكيلها قد يحقق أهدافاً سياسية سريعة، لكنه غالباً ما يفتح الباب أمام أزمات طويلة الأمد، ومسارات معقدة يصعب التحكم في نهاياتها.

السودان أمام لحظة مفصلية

في ظل هذه المعادلة تبدو كلفة الإبقاء على تحالفات سياسية مثيرة للجدل أعلى من كلفة تفكيكها.

فالسودان اليوم يواجه حرباً مدمرة، واقتصاداً هشاً، وعزلة دولية نسبية. وأي خطوة قد تعيد البلاد إلى مربع العقوبات أو الصدام مع القوى الدولية الكبرى قد تعمق أزماته أكثر.

من هنا يرى كثير من المراقبين أن تفكيك نفوذ الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة قد يكون الخيار الأقل خطورة على مستقبل السودان، ليس فقط استجابة للضغوط الدولية، بل أيضاً كجزء من إعادة بناء الدولة بعد سنوات من الاستقطاب السياسي الحاد.

القرار الذي سيحدد المسار

قد لا يكون أمام البرهان رفاهية الوقت للمناورة طويلاً.

فكلما تأخر الحسم، ازدادت الضغوط الداخلية والخارجية، وازدادت احتمالات انزلاق السودان إلى صراعات أكبر من قدرته على التحمل.

لهذا تبدو اللحظة الحالية أقرب إلى اختبار سياسي حاسم: هل يختار قائد الجيش مواجهة الداخل لتجنب مواجهة الخارج؟

أم يغامر بإبقاء التحالفات القديمة في عالم سياسي يتغير بسرعة؟

الإجابة عن هذا السؤال قد لا تحدد فقط مستقبل البرهان السياسي، بل ربما مستقبل السودان نفسه في مرحلة ما بعد الحرب.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.