حرب السودان ليست مؤامرة… بل أزمة دولة
د .أحمد خضر يكتب
في كل مرة تشتعل فيها حرب في عالمنا العربي والأفريقي ، تتقدم رواية جاهزة لتحتل المشهد: “إنها مؤامرة خارجية”. عبارة قصيرة، لكنها قادرة على تبسيط أعقد الأزمات، وإراحة الضمير الجماعي من عناء البحث عن الأسباب الحقيقية. غير أن هذه الرواية، على سهولتها، غالباً ما تكون ستاراً كثيفاً يحجب الحقيقة بدلاً من أن يكشفها.
الحرب الدائرة في السودان منذ عام 2023 ليست استثناءً. فمنذ الأيام الأولى للصراع، انطلقت موجة واسعة من الاتهامات والقصص عن “المتآمرين” الذين يقفون خلف ما يحدث. لكن اللافت أن أنصار نظرية المؤامرة أنفسهم لا يتفقون حتى على تحديد هذا المتآمر. فهناك من يوجه أصابع الاتهام إلى الإمارات العربية المتحدة، بينما يروج آخرون لرواية “المؤامرة الغربية” التي تتبدل فيها الأسماء بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة. وفي سرديات أخرى تتسع الدائرة لتشمل دول الجوار العربي والأفريقي، حتى يبدو وكأن العالم بأسره اجتمع فجأة على استهداف السودان.
لكن الحقيقة المؤلمة هي أن السودان لم ينفجر لأن قوة خارجية ضغطت على زرٍ سري، بل لأنه كان منذ سنوات يقف فوق برميل بارود.
المواجهة بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو لم تكن مفاجأة للمتابعين للشأن السوداني. فقد عاشت البلاد لسنوات طويلة في ظل معادلة شديدة الخطورة: جيشان داخل دولة واحدة، وسلطتان داخل مؤسسة يفترض أن تكون موحدة. وعندما تتعايش قوتان مسلحتان متنافستان داخل دولة هشة، فإن السؤال الحقيقي لا يكون: هل ستقع الحرب؟ بل: متى ستقع؟
بعد سقوط نظام عمر البشير في أعقاب الثورة السودانية 2019، ظن كثيرون أن السودان يقف على أعتاب لحظة تأسيس تاريخية. غير أن تلك اللحظة سرعان ما تحولت إلى صراع مفتوح على السلطة. لم يُحسم السؤال المركزي في الدولة: من يملك السلاح ومن يملك القرار؟ وظلت قضية إصلاح المؤسسة العسكرية ودمج القوات المسلحة المختلفة مؤجلة، بينما تصاعد التنافس السياسي والاقتصادي بين مراكز النفوذ.
هكذا تراكمت الأزمة بصمت، حتى تحولت إلى حرب.
في هذا السياق، يصبح خطاب “المؤامرة” أكثر من مجرد تفسير مبسط؛ إنه أحياناً وسيلة للهروب من مواجهة الواقع. فالقوى الخارجية قد تتدخل في النزاعات، وقد تستفيد منها، وقد تدعم طرفاً ضد آخر. لكن هذه القوى لا تستطيع خلق حرب من العدم. الحروب تحتاج إلى بيئة داخلية جاهزة: دولة ضعيفة، مؤسسات منقسمة، ونخب سياسية عاجزة عن الاتفاق على قواعد إدارة السلطة.
وهذا بالضبط ما كان موجوداً في السودان.
تكمن خطورة نظرية المؤامرة في أنها تعفي الجميع من المسؤولية. فهي تحول المأساة من نتيجة أخطاء سياسية داخلية إلى قصة غامضة عن “أصابع خفية”. وبهذا المعنى، تصبح المؤامرة رواية مريحة للنخب السياسية والعسكرية على حد سواء، لأنها تنقل اللوم إلى الخارج.
لكن السؤال الذي لا يمكن الهروب منه يبقى قائماً: إذا كانت الحرب مجرد مؤامرة، فمن المسؤول عن الفشل في بناء دولة مستقرة بعد الثورة؟ ومن سمح ببقاء أكثر من جيش داخل دولة واحدة؟ ومن ترك الصراع على السلطة يتفاقم حتى وصل إلى السلاح؟
إن المجتمعات التي تفسر كل أزماتها بالمؤامرة تشبه المريض الذي يرفض الاعتراف بمرضه. قد يشعر بالطمأنينة مؤقتاً، لكنه يبتعد أكثر فأكثر عن العلاج.
السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من القصص المريحة، بل إلى مواجهة شجاعة مع الحقيقة: الأزمة في جوهرها أزمة دولة لم تكتمل مؤسساتها بعد، وأزمة سلطة لم تُحسم قواعدها، وأزمة مؤسسة عسكرية لم تُحسم وحدتها.
والحقيقة التي قد لا تعجب كثيرين هي أن نهاية الحرب لن تأتي عبر اكتشاف “المتآمر”، بل عبر معالجة السبب الحقيقي للأزمة: لا يمكن لدولة أن تستقر بجيشين، ولا يمكن لانتقال سياسي أن ينجح دون مؤسسات قوية تحسم بوضوح من يملك السلاح ومن يملك القرار.
أما الاستمرار في ترديد أسطورة المؤامرة، فلن يوقف الحرب… بل سيضمن استمرارها
غير أن الحقيقة التي يعلمنا إياها التاريخ، مرة بعد أخرى، هي أن الدول لا تسقط بالمؤامرات وحدها، بل حين تتآكل من الداخل. فالمؤامرات قد تستغل الفراغ، لكنها لا تصنعه. وقد تستثمر في الضعف، لكنها لا تخلقه من العدم.
ولهذا فإن المأساة السودانية ليست في وجود من يتربص بها في الخارج، بل في أن الداخل نفسه ظل لسنوات عاجزاً عن حسم السؤال الجوهري في أي دولة: من يملك السلاح، ومن يملك القرار؟ وعندما يبقى هذا السؤال معلقاً، تتحول السياسة إلى صراع قوة، ويتحول الخلاف إلى حرب.
قد يكون من المريح أن نستمر في مطاردة “الأصابع الخفية” في عواصم العالم، لكن الحقيقة الأقرب أن مفاتيح الأزمة كانت دائماً هنا، داخل الدولة نفسها. فالدول القوية قد تُحاصر وتُضغط عليها، لكنها نادراً ما تنهار. أما الدول التي لم تُحسم قواعد السلطة فيها بعد، فإنها قد تسقط أحياناً قبل أن تكتمل.
ولذلك فإن الطريق إلى سلام السودان لا يمر عبر اكتشاف “المتآمر”، بل عبر إنهاء السبب الذي جعل المؤامرة – إن وجدت – ممكنة أصلاً: بناء دولة واحدة، بجيش واحد، وبسلطة لا ينازعها السلاح. فالتاريخ لا يرحم الدول التي تتهرب من مواجهة حقيقتها… ولا يمنحها فرصة ثانية إلا بعد ثمن باهظ
