
«الاغتصاب والنزوح والاختفاء».. كيف حوّلت الحرب حياة ملايين السودانيات إلى مأساة في يوم المرأة العالمي؟
يمر اليوم العالمي للمرأة هذا العام على النساء في السودان في ظل واقع إنساني بالغ القسوة، بعدما تحولت حياتهن إلى ساحة مفتوحة للانتهاكات مع استمرار الحرب منذ نحو أربعة أعوام بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع».
فبين العاصمة الخرطوم وولاية الجزيرة وأقاليم دارفور وكردفان، تتوالى القصص المؤلمة لنساء أجبرتهن الحرب على النزوح أو مواجهة العنف بأشكاله المختلفة، من التحرش والاغتصاب إلى الاختفاء القسري والاتجار بالبشر، في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في المنطقة.
ويحل الثامن من مارس 2026 هذا العام تحت شعار «Give To Gain» (العطاء لنكسب)، وهو شعار يدعو إلى تعزيز ثقافة التضامن والتعاون لتحقيق المساواة بين الجنسين. لكن بالنسبة إلى كثير من السودانيات، يبدو هذا الشعار بعيداً عن واقع يومي تحكمه الحرب والخوف.
انتهاكات تفوق كل التوقعات
تقول إحسان عبد العزيز، منسقة منظمة «نساء ضد الظلم» والناشطة الحقوقية، لـ«الغد السوداني» إن الانتهاكات التي تعرضت لها النساء خلال الحرب «كانت قاسية وتجاوزت كل التوقعات مقارنة بالحروب السابقة».
وتضيف أن النساء تعرضن لأنواع متعددة من العنف، بينها العنف الجنسي والاغتصاب والاختفاء القسري وتجارة البشر، فضلاً عن حالات استعباد أجبرت فيها النساء على العمل قسراً في خدمة الجنود، مثل الطهي والتنظيف وصناعة المشروبات المحلية والأعمال الشاقة الأخرى.
وبحسب تقارير منظمة العفو الدولية التي وثّقت الفترة من بداية الحرب وحتى منتصف عام 2024، جرى تسجيل أكثر من 370 انتهاكاً ضد النساء في السودان، بينها حالات عنف جنسي استهدفت فتيات تقل أعمار بعضهن عن 12 عاماً.
كما أفادت المجموعة السودانية لضحايا الاختفاء القسري بتسجيل 96 حالة اختفاء قسري حتى أبريل 2024.
أرقام صادمة… لكنها غير مكتملة
في تقرير طبي أعده عاملون في الحقل الصحي وقدّم ضمن ورقة بحثية لمنظمة «نساء ضد الظلم»، سُجلت 481 حالة اغتصاب في مرافق صحية مختلفة في السودان حتى تلك الفترة.
غير أن التقرير يشير إلى أن هذه الأرقام لا تعكس الحجم الحقيقي للانتهاكات، إذ إن العديد من الحالات، خصوصاً في إقليم دارفور، لم تُسجَّل بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية.
كما رصد التقرير مضاعفات صحية خطيرة لدى الضحايا، بينها نزيف حاد، وناسور بولي، وتمزقات مهبلية والتهابات حادة، وفي بعض الحالات تصل الضحايا إلى المستشفيات في حالة غيبوبة قد تنتهي بالوفاة.
ويضيف التقرير أن كثيراً من الضحايا لا يكملن بروتوكولات العلاج أو يرفضن تسجيل أسمائهن الحقيقية، ما يصعّب متابعة الحالات، ويشير إلى الحاجة إلى حملات توعية واسعة لتشجيع الضحايا على طلب العلاج والدعم.
الحرب تُسكت الصحفيات أيضاً
لم تسلم الصحفيات السودانيات من تداعيات الحرب.
تقول لبنى العحيل، مسؤولة الجندر في نقابة الصحفيين السودانيين لـ«الغد السوداني» إن النساء عشن ظروفاً قاسية في دور الإيواء المؤقتة داخل المدارس، حيث فقدن الخصوصية والحياة الكريمة.
وتضيف أن كثيراً من الصحفيات اضطررن إلى التوقف عن العمل، خاصة في مناطق سيطرة طرفي النزاع، خوفاً من الملاحقات أو الاتهامات السياسية.
ووثقت النقابة خلال عام 2025 ستة انتهاكات ضد صحفيات، شملت الاعتقال والاحتجاز التعسفي والملاحقات القضائية.
ومن بين تلك الحالات مداهمة منزل الصحفية هاجر سليمان واحتجازها عدة أيام، إضافة إلى اعتقال صحفية أخرى أثناء توجهها للمشاركة في دورة تدريبية، حيث عُصبت عيناها واحتُجزت ثلاثة أيام.
كما واجهت صحفيات حملات تحريض عبر المنصات الرقمية، وسحب تراخيص عمل، وقيوداً إجرائية حدّت من قدرتهن على ممارسة العمل الصحفي.
«استهداف النساء يعني استهداف المجتمع»
من جانبه، دعا الاتحاد النسائي السوداني إلى تحويل قضية النساء إلى محور النقاش الوطني والدولي، مؤكداً أن استهداف النساء في الحرب يعكس عمق الأزمة التي يعيشها السودان.
وقال الاتحاد في بيان بمناسبة يوم المرأة العالمي إن الاعتداء على النساء في سياق النزاعات يعني عملياً استهداف إعادة إنتاج الحياة الاجتماعية نفسها، باعتبار أن النساء يشكلن العمود الفقري لاستمرار المجتمع اقتصادياً واجتماعياً.
وأضاف البيان أن قضية النساء في السودان ليست مسألة حقوقية جزئية، بل انعكاس مباشر للأزمة الوطنية الشاملة المرتبطة بطبيعة الدولة والاقتصاد ونظام السلطة القائم على العنف والعسكرة.
وشدد الاتحاد على أن تحرير النساء لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن تحرير المجتمع ككل، مؤكداً أن يوم المرأة العالمي ينبغي أن يكون مؤشراً لقياس مستوى العدالة داخل المجتمع وليس مجرد مناسبة احتفالية.
سياق عالمي… وعنف يتصاعد
وتأتي هذه المعاناة في وقت حذرت فيه الأمم المتحدة من استمرار العوائق القانونية والاجتماعية التي تمنع النساء من الوصول إلى العدالة في أنحاء العالم.
ووفق تقرير حديث، فإن 54% من دول العالم لا تزال لا تُعرّف الاغتصاب قانونياً على أساس الرضا، بينما تسمح القوانين في نحو ثلاث من كل أربع دول بإجبار الفتيات على الزواج.
كما أشار التقرير إلى أن النزاعات المسلحة تشهد تصاعداً في استخدام العنف الجنسي كسلاح حرب، حيث ارتفعت حالات العنف الجنسي المبلغ عنها بنسبة 87% خلال عامين فقط.
يوم عالمي… وسؤال سوداني
بين شعارات التضامن العالمية وواقع الحرب، تجد كثير من السودانيات أنفسهن في مواجهة يوميّة مع الخوف والفقدان والنزوح.
وفي بلد تتقاطع فيه الأزمات السياسية والاقتصادية والعسكرية، يبدو أن قضية النساء لم تعد قضية حقوقية فحسب، بل مرآة تعكس عمق الأزمة التي يعيشها السودان نفسه.
وفي يوم المرأة العالمي، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يتحول هذا اليوم إلى منصة لكشف ما تعيشه النساء في السودان، أم يظل مجرد مناسبة عابرة في بلد أنهكته الحرب؟
