
سينما تحت النار: كيف صنعت 4 أفلام عربية من الذاكرة والحرب طريقها إلى الأوسكار؟
القاهرة، الغد السوداني- في لحظة نادرة من التلاقي بين الفن والسياسة والذاكرة، وجدت السينما العربية نفسها دفعة واحدة داخل «القائمة المختصرة» لجوائز الأوسكار، عبر أربعة أفلام من فلسطين والأردن وتونس والعراق. ليست مجرد أرقام أو مصادفة عابرة، بل علامة على تحوّل أعمق: كيف باتت الحكاية العربية، حين تُروى بصدق وجماليات ناضجة، قادرة على اختراق أكثر المنصات السينمائية نخبوية في العالم.
حين تفتح السينما العربية نافذة على العالم
لعلها المرة الأولى التي تصعد فيها أربعة أفلام عربية معاً إلى القائمة المختصرة للأوسكار لأفضل فيلم دولي، وهو إنجاز وصفه سينمائيون عرب بأنه «تاريخي». أفلام «فلسطين 36» لآن ماري جاسر، و«اللي باقي منك» لشيرين دعيبس، و«صوت هند رجب» لكوثر بن هنية، و«كعكة الرئيس» (The President’s Cake) لحسن هادي، لم تصل فقط لأنها جيدة تقنياً، بل لأنها قالت شيئاً ملحّاً عن الإنسان في زمن الانكسار.
القائمة المختصرة، التي أعلنتها أكاديمية الفنون والعلوم السينمائية الأميركية، تضم 15 فيلماً اختيرت من بين 86 عملاً من مختلف أنحاء العالم. وسط هذا الزحام، بدت الأفلام العربية الأربعة كأنها تنتمي إلى تيار واحد غير معلن: سينما تنطلق من المحلي، لكنها تخاطب العالم بلغة كونية، دون أن تفرّط في خصوصيتها السياسية والثقافية.
فلسطين… بثلاثة أصوات نسائية
ثلاثة من هذه الأفلام تعود، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى فلسطين، لكن من زوايا زمنية وسردية مختلفة، وتحت توقيع ثلاث مخرجات عربيات.
في «فلسطين 36» تعود آن ماري جاسر إلى ثلاثينات القرن الماضي، إلى زمن الانتداب البريطاني، لتنسج عملاً يمزج الروائي بالتوثيقي، ويعيد قراءة لحظة مفصلية من التاريخ الفلسطيني عبر قصص أفراد عالقين في قلب الصراع. الفيلم، الذي عُرض لأول مرة في مهرجان تورونتو، يستند إلى دراما تاريخية مكثفة، مدعومة بأداء تمثيلي لافت يضم أسماء عالمية وعربية.
أما «اللي باقي منك»، فتختار فيه شيرين دعيبس تتبع مسار عائلة فلسطينية عبر ثلاثة أجيال، من نكبة 1948 حتى 2022. هنا لا تُقدَّم فلسطين كحدث، بل كجرح ممتد، ينعكس في تفاصيل الحياة اليومية، في العلاقات، وفي الأسئلة المؤجلة. الفيلم يشتغل على الذاكرة بوصفها عبئاً لا فكاك منه، وعلى الحاضر بوصفه نتيجة مباشرة لماضٍ لم يُحسم.
وفي «صوت هند رجب»، تذهب كوثر بن هنية إلى قلب المأساة المعاصرة. قصة طفلة في السادسة قُتلت خلال الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2024، تتحول إلى شهادة سينمائية تجمع بين الوثائقي والدراما. الفيلم، الذي عُرض في مهرجان البندقية وفاز بجائزة الدب الفضي، لا يكتفي بسرد القصة، بل يطرح سؤالاً أخلاقياً حاداً عن معنى النجاة، وعن دور الصورة في مواجهة الإبادة.
النقاد يرون أن اجتماع هذه الأفلام الثلاثة ليس صدفة. فهي أعمال «صُنعت لتُشاهَد عالمياً دون أن تفقد روحها»، كما تقول الناقدة الفلسطينية علا الشيخ، وتوقيعها النسائي يشي بتحول في طريقة سرد الحكاية الفلسطينية، بعيداً عن الشعارات، وقريباً من الإنسان.
العراق… ذاكرة السلطة بعين طفلة
على الضفة الأخرى، يأتي الفيلم العراقي «كعكة الرئيس» ليحفر في ذاكرة مختلفة، لكنها لا تقل قسوة. يعود المخرج حسن هادي إلى تسعينات العراق، حيث تُجبر طفلة في التاسعة من عمرها على المشاركة في إعداد كعكة لعيد ميلاد صدام حسين. من هذا الحدث البسيط ظاهرياً، تتكشف بنية الخوف والسلطة، وكيف يتسلل القمع إلى تفاصيل الطفولة.
الفيلم، الذي فاز بجائزتي «الجمهور» و«الكاميرا الذهبية» في مهرجان كان، هو أول عمل طويل لمخرجه، وأول فيلم عراقي يبلغ هذه المرحلة في الأوسكار، ما جعله علامة فارقة في مسار السينما العراقية المعاصرة.
لماذا الآن؟
يرى نقاد أن وصول هذه الأفلام إلى القائمة المختصرة يعكس نضجاً تراكمياً في السينما العربية، من حيث اللغة البصرية، والاشتغال على السرد، والقدرة على تحويل القضايا السياسية إلى دراما إنسانية عميقة. الناقد المصري خالد محمود يعتبر أن ما حدث «تقليص حقيقي للفجوة بين السينما العربية والعالمية»، مشيراً إلى أن هذه الأفلام اشتبكت مع واقع مأزوم دون الوقوع في المباشرة أو الخطاب الدعائي.
الطريق ما زال طويلاً؛ فالمنافسة على جائزة أفضل فيلم دولي تُعد من الأصعب، ولن تصعد سوى خمسة أفلام إلى القائمة القصيرة التي تُعلن في 22 يناير 2026، قبل حفل الأوسكار في مارس. لكن مجرد الوصول إلى هذه المرحلة، بهذا العدد وبهذا التنوع، يعني أن السينما العربية لم تعد على الهامش، بل باتت جزءاً من الحوار العالمي حول الفن، والذاكرة، والعدالة.
