يجب أن يَقرأ إيليا أبو ماضي كلُّ من يريد أن يستعيد علاقته بالحياة

بقلم: مصطفى خالد مصطفى

منذ سنواتٍ طويلة لا أحصي بدايتها، أجدني مشدوداً إلى شعر إيليا أبو ماضي أكثر مما يجذبني أيّ شاعرٍ آخر من أبناء جيله، بل أكثر ممّن تقدّموه ومن جاءوا بعده؛ فثمة في هذا الرجل ما لا نجده عند غيره: حسٌّ مرهف كنسيم السّحَر ودقّة وصف تنفذ إلى لبّ الأشياء، ورقّة معانٍ يندر مثيلها، وعذوبة ألفاظٍ لا تقع في التكلف ولا تُثقِلها البلاغة.
غير أنّ سرّ التفوق الحقيقي في شعره يكمن في رسالته؛ تلك الروح التي بثّها في قصائده، والتي تدعو دائماً إلى التفاؤل والرضا والمحبة، وتبعث الحياة في الصدور اليائسة.

لقد شاع أن الشعراء هم “صنّاع الحزن”، وأنهم أكثر الناس انكساراً، غير أنّ إيليا أبو ماضي أثبت أنّ الشاعر يستطيع، رغم ألمه، أن يكون مصدرَ النور والأمل، “كان عذب النفس، جميل البشاشة، بديع الطوية، كأنما جُبل على التفاؤل، وكُتب له أن يسكب في قلوب الناس أملاً لا ينفد”

ونحن إذْ ننظر في سيرته فسنفهم سرَّ هذا النور: فقد وُلِد في البقاع اللبنانية عام 1889 في أسرة فقيرة، ترك مقاعد الدراسة صغيراً، ثم اضطر للهجرة إلى مصر ومنها إلى الولايات المتحدة، حيث عمل في الطباعة والصحافة، وأنشأ لاحقاً مجلة “السمير” التي أصبحت منبراً لأدباء المهجر. كان منفيّاً، مطارداً بالفقر، مثقلاً بالمسافات، ومع ذلك كتب شعراً يقول فيه:

كن بلسمًا إن صار دهرك أرقمًا
وحلاوةً إن صار غيرُك علقما

ومع أنّ المدرسة المهجرية كانت تميل إلى التأمّل الحزين والرومانسي العميق ـ كما نرى عند جبران ونعيمة والريحاني ـ فإنّ إيليا تفرّد عنهم جميعاً بأنّ تفاؤله كان  واقعياً قريباً من النفس الإنسانية.

أَيُّهَذا الشاكي وَما بِكَ داءٌ
كَيفَ تَغدو إِذا غَدَوتَ عَليلا
إِنَّ شَرَّ الجُناةِ في الأَرضِ نَفسٌ
تَتَوَقّى قَبلَ الرَحيلِ الرَحيلا
وَتَرى الشَوكَ في الوُرودِ وَتَعمى
أَن تَرى فَوقَها النَدى إِكليلا

كأنما يريد أن يعيد الإنسان إلى رشده، إلى بساطة النظر، إلى الحكمة التي تتولّد من الاتزان لا  الانفعال. ولذلك أرى أنّ شعره ضرورةٌ في هذا الزمن الذي تتكاثر فيه أسباب القلق، وتغدو السوداوية نمطاً حياتياً. فقد صار الاكتئاب عادة، والخمول أمراً مألوفاً، والنظرة المتشائمة جزءاً من التكوين النفسي العام، كل المؤشرات في العالم تُحيلُ إلى ذلك، بينما يأتي إيليا ليقول لنا أن نتأمّل الحياة من نافذتها المضيئة، ولو كانت ضيقةً.

   تتبّعتُ دواوين إيليا سنين طويلة، وكلما عدت إليها خرجتُ بقلبٍ نضِر ووجهٍ طليق، ورؤًى أكثر بساطةٍ واتّساعاً. وبعض قصائده ـ مثل “فلسفة الحياة”، “الطلاسم”، “المساء” و”كن بلسماً” ـ أصبحت جزءاً من ذاكرتي الشعرية المتواضعة،  ومكانة أبي ماضي لا تأتي من شعره فحسب، بل من فلسفته؛ إذ آمن بأن الشعر هديةٌ من السماء، وأن الشاعر “مختارٌ” بقدرٍ ما، وأنّ الكلمات لا تُفتح أسرارُها إلا لمن تستلذّ بالبوح له. ولعلّ هذا ما يجعلني مقتنعاً بالمقولة التي تقول إنّ “كل روائي هو شاعرٌ فاشل في الأصل”.
وأرى هذه المقولة تنطبق عليّ تماماً، رغم أنّي لم أبلغ بعدُ مقام الروائيين الحق، فقد بدأتُ أيام الثانوية بالنظم، ثم تركته، ربما لأنّ نفس الشاعر تحتاج إلى توقدٍ لحظيّ، حدسٍ خاطف، ورهافةٍ لا تهدأ. أما أنا فممن يستطيبون “الطبخ على النار الهادئة”، وهذا ما وجدته في السرد، لا في القصيدة.
وربما ـ وهذا الأرجح ـ لأنني لم أكن اسماً مُدرجاً في سجلات “وادي عبقر”، حيث يُلهم الشعراء ما لا يُلهم لسواهم.

ولذلك أقول:
إن أعلى الدرجات الأدبية هي درجة الشاعر؛ ومنها تترتب سائر الفنون، مهما بلغت من جمال، فإنها تظلّ دون ذلك المقام الذي لا يبلغه إلا من مُسّ بنفحة الشعر.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.