بربر.. مدينة الخلاوي والأسواق التاريخية

على الضفة الشرقية لنهر النيل، وعلى بعد 311 كيلومتراً شمال العاصمة الخرطوم، تقف مدينة بربر كأحد أقدم المراكز الحضرية في السودان، مدينة ارتبط اسمها بالخلاوي والأسواق التاريخية، وبتراث ممتد إلى العصر المروي.

إدارياً، تتبع بربر ولاية نهر النيل، وتضم بين شوارعها منازل وأبنية قديمة ومساجد عريقة، إضافة إلى سوقها الشهير المعروف بـ”سوق الدكّة”، الذي كان يوماً ما القلب النابض لحياة أهل المنطقة، بمبانيه المبنية على النمط التقليدي بأروقة وسقائف ودكاكين متقابلة.

الزائر لبربر سرعان ما يكتشف أنها أشبه بـ”متحف مفتوح”، إذ تحتفظ المدينة بروحها التاريخية، ويجد المهتمون بالتراث والمباني القديمة في أزقتها وأسواقها مادة ثرية للتوثيق والدراسة.

التجارة القديمة.. وريش النعام والعاج

تاريخياً، لعب العامل التجاري دوراً محورياً في ازدهار بربر، فقد شكّلت محطة رئيسية لعبور الصادرات السودانية نحو ميناء سواكن على البحر الأحمر. كانت القوافل والسفن تنقل من بربر ريش النعام والعاج والجلود، وتعود بسلع مستوردة مثل الحرير والعطور والتوابل، وهو ما جعلها مركزاً اقتصادياً مؤثراً في ذلك الزمن.

سوق الدكّة.. الشاهد على الزمن

سوق الدكّة، الذي ارتبط بحياة السكان اليومية خاصة في جنوب بربر، كان مقصداً لشراء الاحتياجات الأساسية والمنتجات الزراعية والحرفية. وتذكر شهادات محلية أن السوق ضجّ بالحركة والبيع والشراء، وظلّ لسنوات طويلة معلماً اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً.

غير أن مسار التجارة تغيّر مع إنشاء خط السكة الحديد من أتبرا إلى بورتسودان، وصعود مدينة أتبرا كمركز سكني وتجاري، وهو ما قلّل من مركزية بربر وأسواقها القديمة، فتراجع نشاط سوق الدكّة تدريجياً حتى بدا مهجوراً في العقود الأخيرة.

مشاهد أخيرة للسوق

آخر لقطات ميدانية التُقطت لسوق الدكّة في العام 2023 أظهرت مباني متلاصقة من الطوب والأحجار، دكاكين متقابلة على ممرّ ترابي، وأعمدة خشبية متآكلة، في مشهد يوحي بتاريخ طويل، لكنه يئن تحت وطأة الإهمال.

مطالب بحماية الموقع

اليوم، يدعو المهتمون بالتراث السلطات إلى التدخل العاجل بتنظيف موقع السوق، وتوثيق مبانيه وتخطيطه العمراني، وتحويل حي الدكّة إلى مسار للزيارات التراثية، بل والمطالبة بإدراجه ضمن قائمة المواقع المحمية من قبل اليونسكو، ليحظى بما يستحقه من رعاية وصون.

بربر.. ذاكرة مفتوحة

بين تاريخها التجاري العريق، وخلاويها التي عُرفت بـ”الكتاب”، وسوقها القديم، تبقى بربر مدينة تحمل ذاكرة مفتوحة على صفحات السودان التاريخية، شاهدة على تحولات التجارة والثقافة والدين عبر قرون من الزمان.