الزاكي عبد الحميد يكتب.. “سرديات”

تذكرت وانا أكتب هذه السردية؛ الاعلامي الكبير الاستاذ *محمد سليمان* وبرنامجه التلفزيوني المميز “*دنيا دينقا*”..طرح الاستاذ محمد سليمان ذات مرة سؤالا يقول:
رئيس افريقي شاعر ومفكر من هو؟ وطلب من الحضور الاجابة عليه فانبرى جهبذ من الصفوف الخلفية واجاب : *نميري*!
فاطلق الاعلامي اللماح كلمته تلك: يا راااااجل..
فكان ما كان!

المهم!

هذا الزول!
اذهلني!

انتصب الرئيس السنغالي الاسبق *ليوبولد سنغور*  واقفاً وحيَّا رجلاً سودانياً ثم أثتى عليه قائلاً: *لمثلك تحنى الهامات..*

كتلطيف لجو المحاضرة التي بدت للكثيرين من عنوانها  (أمراً إدّا)  استهل ضيفُنا  حديثَه تلك الأمسية،  بلغزٍ  جاء شعراً ، وطلب منّا معرفة قصد الشاعر:

*إذا البلابلُ أفصحتْ بلغاتِها*
*فأشفِ البلابلَ باحتساء بلابل..*

كنتُ قبل تلك الأمسية  أظنُّ أن بينه وبين الأدب (تستطيل حوائط، ليلٌ وينهضُ ألفُ باب)،  كما قال مصطفى سند..

جاء يحدثنا عن مخترع تقني ابتكره؛ يمكّن المستخدم من معرفة التاريخ الهجري من خلال  التاريخ الميلادي؛  قبل ألف عام مثلا،  فقط باجراء عملية حسابية قال عنها بسيطة ووجدها الكثيرون من أمثالي  أعقد من المستحيل..

لذلك حين طلب منا حل اللغز الأدبي  الذي استهل به محاضرتَه عن مخترعه،  وجدت أني ظلمت الرجل..فبدأت أجالسه؛ بعد ذلك،  متى وجدت سبيلا؛ فتبين لي خطل ظني فيه. فالرجل إلى الأدب أقرب كقربه من مجاله الهندسي..

لم ينبرِ أحد لحل اللغز..

الصديق  الدكتور  العطا ابنعوف-رحمه الله-  وهو رجل قانوني؛  كان أكثر منا جرأةً  حين طلب من الضيف حل اللغز  :

*يا بروف كدي ورينا حل اللغز دا* *قبل ما تبدا المحاضرة ال ح نطلع من “مولدا بدون حمص*”..

ضحكنا وضحك ضيفنا وبدأ حديثه دون الرجوع لحل اللغز..ولم نجد حلاً للغز إلا بعد سنوات..!

  *..قصيدةٌ  يتيمةٌ  نظَمها هذا الرجل في محفلٍ افريقي؛ فأشاد بها الشاعر والمفكر والرئيس السنغالي الأسبق ليوبولد سنغور.. فطار صيتُها إلى آفاق بعيدة..*

متى التقيته كان يحدثني بوَلَه عن حلفاية الملوك وتاريخ مملكة العبدلاب بعد نزوحهم من قرّي واستقرارهم في الحلفاية..

وعن شكسبير يحدثك حديث العالم؛ متناولاً جوانب من حياة المسرحي الانجليزي الأشهر؛  لم تمط المراجع العلمية عنها اللثام أيام الطلب..

واذا تطرق للحديث عن بت مسيمس؛ حكامة الزبير باشا؛ فتجد نفسَك محلقاً معه في فضاءات خليل فرح وحدباي والطريفي الزبير باشا ومنطقة الجيلي ..

وحكى لي ذات مرة؛ عن حظيرة الدندر؛ يوم اصطاد فيها شاوسيسكو؛ أسداً؛ اختاره له أبو سنينة مدير مصلحة الحيوانات المتوحشة؛ من الأسود العجوزة؛  التي يجوز الاستغناء عنها؛  لخطورتها على الحيوانات الحوامل..قال لي إن النميري وجّه الدعوة للرئيس الروماني لزيارة السودان؛ ومعه وزير البترول للتباحث حول استخراج البترول في السودان..  قال لي إن الوزير الروماني حدّد غرب السودان كمنطقة واعدة بمخزون بترولي هائل عكس ما قالت به دراسات سابقة..

ويدهشك هذا العالِم بموسوعيته؛  حين يحكي لك عن كافور الإخشيدي وعمله كحلّاق وحجّام قبل أن يتسيّد ويصير حاكما..

لذلك ترددت كثيرا حين طلب مني زملائي في اللجنة المنظمة للحفل بالنادي السوداني بسلطنة عمان، ان ألقي كلمة-في حفل وداعه بعد انتهاء فترة خدمته في السلطنة مستشارا لوزير البيئة والموارد المائية- اسلط فيها الضوء على اسهامات الرجل؛  تكريما وتقديرا من معشر سودانيي مسقط  لمآثره العديدة.  مَردُّ  ترددي كان إلى خشيتي من ألا يسعفني مخزوني المحدود من المفردات، في ايفاء الرجل حقه، بالنظر الى مكانته الاكاديمية السامقة وتعدد اهتماماته بأمور شتى….

ففي مطلع ستينيات القرن الماضي حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة لندن، التي نال فيها ايضا الدرجة الجامعية الاولى في الهندسة…

كان يقول دائما إن العلم عبادة؛  لأن تقصينا للحياة على اختلاف جوانبها يعمّق فينا الإيمان بقدرة الله سبحان وتعالى..كلماته هذه كانت خلاصة منهجه وأسلوبه في الحياة، حياةٌ قضاها يبحث عن اصول المعرفة في مختلف المعارف الانسانية وكأننا به يردد قول ابن الربيع “الحكمة هي ادراك أفضل المعلومات بأفضل العلوم”..

كان علَما على راسه نار بيننا في بلاد الغربة؛  لذلك كانت مهمة ان تتحدث عن رجل موسوعي في وجود من هم انسب  للحديث عنه؛  من زملائه الاكاديميين او طلبته الكثر،  مصدر قلق لي…ولكن تحت اصرار أعضاء اللجنة لم اجد بدا من الرضوخ لأمرهم…

طلبت من المحتفى به بعض المعلومات،  لكي استرشد بها في حديثي. وعد بزيارتي في المنزل..وبالفعل زارني ذات مساء قبل الموعد المحدد للاحتفال  واعطاني بعض الأوراق؛  التي قال إنها قد تعينني في مسعاي..جلس ثم تناول من على الطاولة التي أمامه اوراقا تضم مقالا كنتُ قد كتبتُه  لأحد المواقع الاسفيرية، رداً على موضوع رائع للباحث القدير الاستاذ *عبد المنعم عجب الفيا* عن سونيتات sonnets كتبها شكسبير بعنوان The Dark Lady- الحسناء السوداء…

والمعروف ان شكسبير  الى جانب المسرحيات المعروفة قد كتب مجموعة من القصائد عرفت باسم السونيتات sonnets وهي قصائد متساوية الطول لا تزيد الواحدة عن اربعة عشر بيتا.. ويبلغ عدد هذه القصائد ١٥٤ قصيدة…وجاءت القصائد من ١٢٧ إلى ١٥٤ تتحدث عن ملهمته التي أسماها *الحسناء السوداء…*

اتخذ الاستاذ *عجب الفيا* مدخلا لمقاله ابياتاً من قصيدة للشاعر اللبناني *أمين نخلة*  والذي زعم ان *شوقي* قال عنه إنه خليفته في امارة الشعر..وكان أمين نخلة قد شبّب في الخمسينيات من القرن الماضي وهو في العقد السادس من العمر؛  بفتاة سودانية كانت تعمل سكرتيرة بمكتب الوحدة العربية بدمشق أيام ناصر وكتب فيها قصيدة سارت  بها الركبان أسماها (القصيدة السوداء) ويقول فيها:

*لا تعجل فالليل أندى وابرد..*
*يا بياض الصباح والحسن اسود..*

كانت قصة هذه الفتاة السودانية هي المدخل لحديث الاستاذ *عجب الفيا* ليثبت بها أن *ملهمة* شكسبير كانت *سودانية* البشرة…

ردي،  والذي ظننت ان  الزائر تصفحه لدقائق معدودات، وهو يحادثني من وقت لآخر -كان يعقب على ما ذهب اليه الأستاذ *عجب الفيا* من وجهة نظري…

اكمل الزائر حديثه ثم ودعني وغادر…

وجدت بين الاوراق التي اعطاني اياها؛ قصيدة مكتوبة بلغة انجليزية جزِلة.

هاتفته في صبيحة اليوم التالي مستفسرا عن القصيدة وكانت بعنوان: Mother Africa *افريقيا: الوطن الام..*

قال لي إنه نظَمها-ولم ينظُم غيرها- والقاها بمناسبة افتتاح مركز تقني في العاصمة السنغالية  داكار ابتعثه الاتحاد الافريقي مديرا  مشرفا على الشق التقني فيه. قال إنه ألقى القصيدة في حضور الشاعر والمفكر والرئيس السنغالي الأسبق *ليوبولد سنغور..* الرئيس الشاعر  أعرب عن اعجابه بالقصيدة وقال لشاعرها ما قال..

وحين التقيته في مساء نفس اليوم في النادي، ناولني مقتطفات من صحف من بينها صحيفة اثيوبية (تصدر في اديس ابابا حيث مقر الاتحاد الافريقي)  استعرضت قصيدته؛ *أفريقيا، الوطن الأم*؛  بشكل واف ..كانت الصحيفة الاثيوبية هي الوحيدة التي ألقت الضوء على القصيدة في ملحقها الثقافي بالانجليزية ..فيما تناولتها المقتطفات الاخرى  بالفرنسية..

قالت الصحيفة الاثيوبية ان اعجاب *سنغور* بالقصيدة يعود الى تناول شاعرها موضوع الديانات (وتحديدا الاحيائية animism اي الاعتقاد بوجود الأرواح وان اي كائن حي أو حتى المواد الجامدة أحيانا تسربلها روح بشكل او بآخر والديانة اليوروبية ) والمعتقدات والعادات والتقاليد الافريقية كمصدر  لتباهي الافريقي بها من منطلق انها الأساس لحضارة الانسان…ولم ينس الشاعر بالطبع الاشارة الى دور مروي (بيرمنجهام أفريقيا) في صناعة الحديد …

لا غرو  إذن إن  نالت القصيدة هوىً في نفس سنغور  رائد حركة الزنوجة Negritude مع ايمي سيزار وهي الحركة التي تُعلي من شان افريقيا كمصدر للجمال والتراث الانساني…فالزنوجة تعني لسنغور وايمي سيزار  اختزالا لمعاناة الرجل الأفريقي في علاقته بذاته وبالمستعمر السابق اي الدفاع عن هُوِّيته.

بعد انتهاء الحفل بأيام؛  التقينا في النادي،  وقال لي ربما لم يكن شكسبير يقصد لون بشرة السيدة، التي الهمته القصائد، التي اشرت اليها في مقالك!

يا الهي!

الرجل إذن يتذكر ذلك المقال الذي ظننت أنه كان قد ألقى عليه مجرد نظرة عجلى يوم زارني..قال لي ربما كان الشاعر الانجليزي يقصد لون الشعر والعيون وليس لون البشرة،  لأن وجود *الافريقي* في بريطانيا في الفترة التي كتب فيها شكسبير سونيتاته؛  لم يكن امرا لافتا، بالاضافة الى ان وجودهم -إن سلمنا به -كان قاصرا في معظم الاحيان على الذكور دون الإناث، لانهم كانوا يجلبون للعمل في المزارع وغيرها..

فهمت من تلميحاته ان الرجل يريد ان يقول إن شكسبير في سونيتاته ربما كان يخاطب حسناء لا توجد إلا في خياله. وهذا ما أكدته احدث الدراسات النقدية التي تشير إلى ان شكسبير لم يكن يقصد في سونيتاته إمرأة من شحم ولحم ذات بشرة سوداء، وانما هي طيف تراءى له في خياله فشكّل منه الشاعر ملهمتَه عن طريق اللعب بالالفاظ والانقلاب على النظرة التقليدية لمعايير الجمال لدى العامة..

قال *ياقوت الحموي* واصفا الجاحظ بما معناه (كان اشبه بآلة مصوِّرة، فليس هناك شيء يقرأه إلا وارتسم في ذهنه ويظل في ذاكرته آمادا متطاولة!)..

الا رحم الله الجاحظ السوداني *البروفيسور احمد عبد الرحمن العاقب* الذي شغل منصب وزير الصناعة في حكم النميري وقبل ذلك كان عميدا لكلية الهندسة في الجميلة ومستحيلة لسنوات طويلة…