الزاكي عبد الحميد يكتب.. “سرديات”

Ne me quitte pas!
المهندس أسامة بابكر؛ صديق متعدد الاهتمامات..قرأ ذات مرة سردية كتبتها؛  نالت اعجابه؛  فانتج من جزيئية منها مقطع فيديو؛  صوره على شاطيء البحر الاحمر مع ترجمة انجليزية لجزء من الاغنية التي وردت في السردية؛ وطلب مني أن أرسل الفيديو كليب لسيدة من ميانمار؛ كانت هي الأخرى معجبة بصوت المطرب السوداني حين اسرها صوته يوم سمعته لاول مرة..

Ne me quitte pas!
هذا اسم أغنية كلاسيكية وتعني *لا تتركني*؛ يؤديها مطرب فرنسي معروف،  اسمه جاك بريل lacques Brel؛ قالت عنها سيدة ميانمار إنها كانت سببا في زواجها من الذي تعيش معه الآن في سعادة..
وقالت إن صوت مطربكم في مقطع الفيديو بنصه المترجم اعاد ذاكرتها لأجمل لحظات عمرها فاسعدها..

*A man so gifted with an unmatched voice as a singer deserves to be commemorated on a grand scale in tribute to the remarkable gifts he shared with his audience.*

مطرب بهذا القدر من  الموهبة الغنائية المتميزة؛  جدير بأن تخلد ذكراه على نطاق واسع؛  تقديرا لاسعاده عشاق فنه بهذا الصوت الاستثنائي..

هكذا جاء رد  سيدة على مقطع فيديو أبدع في تصويره على شاطيء البحر الأحمر-كما ذكرت-؛  صديقي  المهندس أسامة بابكر؛ كخلفية لأغنية سودانية وطلب مني ارساله للسيدة الأجنبية تقديرا لاعجابها بالفن السوداني؛ فكان ردها الذي أسعدنا ثم أحزننا؛ لعجزنا عن تخليد ذكرى فنان رحل في هدوء كما عاش بيننا في هدوء دون ان ينال ما يستحقه من تكريم…

لستُ وحدي من يصيبُه هذا الصوتُ، بخدرٍ في الحواس..هو اشبه بهمسٍ يكون القلبُ اسرع إلى قبوله من الأذن إلى سماعه..

كان شريط اغنياته لا يفارق مسجل سيارتي..صوته يُريحني؛  فاصبح أسيراً لاندياحاته  التي تملأ الفضاء حولي تدريجيا؛  قبل ان تعود لتمارس معك لعبة التنويم المغناطيسي والهدهدة….

*يا حبيبي ظمِئت روحي وحنّت للتلاقي،*
*وهفا قلبي إلى الماضي وناداني اشتياقي،*
*أنا ظمآنٌ ألاقي من حنيني ما ألاقي،*
*فاسقنِي وأملأ من النور ليالي..*

Oh baby, my soul has dried and yearned for you,

My heart beats for yesterday, longing to renew.

Past memories haunt, and they cause me pain,

So baby, quench my thirst, release me from this strain.

Fill my nights with your light so bright..

عينان سوداوان ضيقتان..وجهٌ دائريٌّ اصفرُ اللونِ فاقع..شعرٌ قصير بالكاد يصل إلى منتصف جيدها..

هذه ميشيل..

سيدة من ميانمار (بورما سابقاً) قالت لي ذات مرة إن جدّها لأمها هو يو ثانت U Thant الأمين العام الاسبق للأمم المتحدة،  الذي خلف داغ همرشولد بعد مصرعه، حين أًسقطت طائرتُه  بقذيفةٍ في ادغال افريقيا الجنوبية، في مطلع ستينيات القرن الماضي، فيما كان يبحث عن الحقيقة الغائبة، في مقتل لوممبا اول رئيس وزراء، يجيء بالانتخابات في الكونغو.

كنا نعمل معاً في شركة واحدة ونسكن في مجمع سكني خصصته الشركة لموظفيها واسرهم..سيدة حادة الذكاء وتشغل منصباً في الشركة يكسبها  راتباً شهريا، هو ثالث اعلى راتب في شركة، يعمل فيها موظفون من ٥٣ دولة: بريطانيون، فرنسيون، امريكيون، آسيويون، فنزويليون، عرب وافارقة وخلافهم..حدة ذكائها وخفة روحها اكسبتاها شعبية واسعة وسط الموظفين رجالا ونساء..إنها سيدة حباها الله بحب الناس..فصارت ايقونة تنشر الفرح حيث حلّت..

طلبتْ مني ذات مرة أن اوصلها إلى المسكن لأن سيارتها في الصيانة وستبقى هناك ليومين..

لذلك ظلّت ترافقني ليومين صباحاً ومساء..كان صوت المطرب ياتي من مسجل السيارة على ذبذبات ناعمة تعلو وتهبط  فياسرك..

What a mesmerizing voice-how exceptionaĺly captivating and enchanting it is..
It gives me the chills..

صوت هذا المطرب آسر..إنه يمارس معك لعبة التنويم المغنطيسي..إنه يدغدغ المشاعر …

هكذا وصفت هذه السيدة ما التقطته اذناها من همس جميل..ثم طلبتْ مني ان انسخَ لها الشريط ففعلتُ..

شركة النفط، التي كنا نعمل فيها في الخليج، كانت تنظم من وقت لآخر، برامج ترفيهية لموظفيها، كترياقٍ للإجهاد، الذي يسببه ضغط العمل لساعات طويلة..من اشهر هذه البرامج الترفيهية، ما بات يعرف وسط الموظفين باليوم العالمي..تظاهرة سنوية تتبارى فيها الجاليات باستعراض جوانب من ثراتها من المأكولات والملبوسات والموسيقى والاغاني وغيرها..

في نهاية اليوم كانت لجنة حكام مكونة من جنسيات مختلفة تعلن عن الجالية الفائزة..كان الفوز دائما حليفا للجالية البريطانية لانها كانت تستعد للمناسبة من فترة طويلة واذكر انها احضرت ذات مرة، فرقة موسيقية من لندن خصيصاً لهذه الفعالية، حتى لا يذهب الفوز بعيداً عن الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس..

كانت الجالية النيجيرية تنافس البريطانية بشدة وكذلك الهولندية..

انا كنتُ وحدي..لا احد من بني جلدتي في الشركة..لذلك كنت عضواً دائماً في لجنة التحكيم لاضفاء الحيادية على قراراتها..
ميشيل متزوجة من بريطاني وبالتالي فهي تحمل الجنسية البريطانية..

النيجيريون بملابسهم الفضفاضة كانوا يذرعون ارض المسرح جيئة وذهابا كلمحة ترويجية لبرنامجهم.. .

ثم اعلن عن بدء برنامج الجالية البريطانية..

هرول الجمهور  نحو المسرح..في لحظات كانت المقاعد المرصوصة في ميدان ملعب كرة السلة كلها مشغولة.

اعتلت هي المنصة وابتسامة وضيئة ترتسم على محياها..

ميشيل هي من ستقدم فقرات برنامج الجالية البريطانية..

هتفت الجماهير تحية لهذه السيدة التي اضحت أيقونة بما حباها الله من روحِ دعابةٍ وحضورٍ  آسر…

حيّت الحضور ثم قالت: فقرتُنا الأولى للانصات ثم نزلت..

فكانت المفاجأة حين  بدات اوتار العود تداعب الأخيلة ثم كان ما كان:

*أنا وحدي فيك يا شط غريب فأعنّي..*
*فرّقت أيدي الليالي بين احبابي وبيني…*
*آهِ من حالي وآمالي ومن جائر حزني…*

الرجال الأربعة الذين كانوا معي على طاولة لجنة التحكيم، وجدتُهم كمن غشيتهم نوبة من الوسن اللطيف..كانوا بين الحضور والغياب..ما هم بنيام ولكنهم حلّقوا في فضاءات هذا الصوت الملائكي الترانيم..

وحين انتهى العاقب وقبل أن تعتلي ميشيل المنصة كان كل الجمهور وقوفا يصفقون! ولسان حالهم يردد العبارة التي وصفت بها ميشيل صوت مطربنا..

What a dulcet voice! how sweet it is to listen to!

وقوفاً صفقوا للغة لم يفهموها..
نساءً ورجالاً صفقوا لصوتٍ بعذوبته، أجبرهم على احترامه..

فكان له ما اراد..وكان لي الفرح الذي سربلني من قمة رأسي إلى أخمص قدميّ…

شكرا للمطرب الكبير، الراحل العاقب محمد الحسن..ففي تلك الامسية لم يجعلني اشعر بالوحدة..لم اكن وحدي من بني جلدتي..كان معي السودان بحداء قوافله وطبول غاباته .كانت الوازا والطنبور..كان السودان حضورا ليلتها،  بنيليه، وعصافيره، ومناديله، ومشاوريه عند الاصائل، ومساديره .. فكان كل ذلك مدعاة  لدموع الفرح التي قالت ما لا يقوله اللسان..

صدقت تلك المبدعة الامريكية حين قالت؛
لا شيء اعظم من الموسيقى في تذويب الخلافات بين الناس..قوتُها في ذلك، لا تضاهى..الناس قد يختلفون في كل شىء وحول أي شىء كان؛ إلا في الموسيقي.

Music is the great uniter..an incredible force..something people who differ on everything  and anything else can have in common..

هكذا قالت الروائية الأمريكية سارا دبسين Sarah Dessen في روايتها التي غزت أسواق الادب في أمريكا عام ٢٠٠٦ بعنوان *استمع وبس*!
*Just listen*