
المشلعيب ومكواة الفحم.. كيف أعادت الحرب السودانيين إلى حياة الجدات
الخرطوم/ الغدالسوداني ـ أفاد تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بأن سيدات سودانيات عدن إلى استخدام أدوات تقليدية، مثل «المشلعيب» ومكواة الفحم، للتكيف مع تداعيات انقطاع الكهرباء الناجم عن الهجمات المتكررة على منشآت الطاقة، في مشهد يعكس حجم التدهور الذي فرضته الحرب على تفاصيل الحياة اليومية في البلاد.
وبحسب التقرير، تحولت هذه الأدوات التي كانت جزءاً من الحياة اليومية للأجيال السابقة إلى وسائل أساسية لمواجهة الظروف المعيشية الصعبة، بعد أن تسببت الهجمات على البنية التحتية للكهرباء في انقطاع التيار عن مناطق واسعة من السودان.
ورصد التقرير استهداف 15 منشأة كهربائية في مناطق متفرقة من البلاد خلال الفترة من 20 أكتوبر/تشرين الأول إلى الأول من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، ما أعاد ملايين السكان إلى الاعتماد على وسائل بدائية لحفظ الطعام وتبريد المياه والتعامل مع غياب الخدمات الأساسية
وفي مدينة كادوقلي، روت مواطنة لبرنامج «يوميات الشرق الأوسط» الذي تبثه هيئة الإذاعة البريطانية، أن الحرب حرمت السكان من أبسط مقومات الحياة، بعدما كانوا يعتمدون على الثلاجات لحفظ الطعام والشراب.
وقالت إن انقطاع الكهرباء اضطرهم إلى العودة لاستخدام «المشلعيب»، وهو إناء تقليدي يُرفع فيه الطعام بعيداً عن الأرض، بما يساعد على حفظه وحمايته من التلف والحشرات والحيوانات.
وأضافت أن الحصول على مياه باردة أصبح أمراً صعباً، ما دفع السكان إلى استخدام طرق تقليدية لتبريدها، من بينها سكب المياه في أوانٍ من الألومنيوم وتعريضها للهواء لخفض درجة حرارتها تدريجياً.
ولا تقتصر تداعيات انقطاع الكهرباء على حفظ الطعام والمياه، إذ امتدت إلى وسائل الاتصال، مع صعوبة شحن الهواتف المحمولة في ظل توقف التيار الكهربائي.
وفي مدينة الأبيض، قالت مواطنة إن السكان باتوا يضطرون إلى التوجه إلى المناطق التي تتوفر فيها المولدات الكهربائية، المعروفة محلياً باسم «البوابير»، لشحن هواتفهم، وسط ارتفاع تكاليف التشغيل نتيجة زيادة أسعار الوقود.
وأوضحت أن سعر حاوية الجاز ارتفع إلى نحو 600 ألف جنيه سوداني، بما يعادل قرابة 60 دولاراً، الأمر الذي انعكس على تكلفة شحن الهواتف، التي ارتفعت من ألف جنيه إلى ألفي جنيه، فيما تصل تكلفة شحن أجهزة الشحن إلى خمسة آلاف جنيه في المرة الواحدة.
وفي منطقة طويلة، غربي السودان، امتدت الأزمة إلى إمدادات المياه، بعدما أدى انقطاع الكهرباء إلى توقف مواتير ضخ المياه، ما أجبر السكان على قطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام للوصول إلى مصادر المياه وملء البراميل بمياه الشرب.
كما فرض غياب الكهرباء ووسائل التهوية، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة، على السكان البحث عن وسائل بديلة لتبريد أجسادهم، في بلد يعاني أصلاً من ظروف مناخية شديدة الحرارة.
وفي الخرطوم، انعكست الأزمة بصورة مباشرة على العادات اليومية المرتبطة بإعداد الطعام وحفظه. وقالت إحدى المواطنات إن الأسر لم تعد قادرة على تجهيز كميات من الطعام تكفي ليومين، كما كان يحدث سابقاً، مشيرة إلى اضطرارها إلى إعادة تسخين الطعام كل ساعتين للمحافظة عليه، بينما تلجأ الأسر إلى تقطيع اللحوم وتجفيفها لتجنب تلفها.
وتأتي هذه المعاناة في ظل تصاعد الهجمات على منشآت الطاقة، إذ استهدفت طائرات مسيّرة محطات فرعية للكهرباء في مدينتي أروما وحلفا الجديدة شرقي السودان، في وقت مبكر من يوم الاثنين الماضي، ما تسبب في انقطاع واسع للتيار الكهربائي بولاية كسلا، وفقاً لمصادر محلية.
وبذلك ارتفع عدد منشآت الطاقة التي تعرضت لهجمات بطائرات مسيّرة خلال الفترة المذكورة إلى 15 منشأة، في حوادث شملت ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار والبحر الأحمر والقضارف وكسلا ونهر النيل.
وتكشف هذه التطورات عن اتساع تأثير الحرب على البنية التحتية والخدمات الأساسية في السودان، إذ لم يعد انقطاع الكهرباء مجرد أزمة خدمية، بل تحول إلى عامل يغير أنماط الحياة اليومية، ويدفع السكان إلى استعادة وسائل تقليدية لمواجهة احتياجات باتت التكنولوجيا الحديثة عاجزة عن تلبيتها في ظل استمرار الحرب.
