
الحرب في السودان تحرم مريضات سرطان الثدي من العلاج والفحص المبكر
الخرطوم/ الغدالسوداني -أفاد تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بأن الحرب في السودان فاقمت معاناة مرضى السرطان، خصوصاً النساء المصابات بسرطان الثدي، في ظل تدهور الخدمات الصحية ونقص الأدوية وتعطل أجهزة الفحص، فضلاً عن صعوبات النزوح والسفر لتلقي العلاج.
وسلط التقرير الضوء على تجربة إسراء، التي اكتشفت كتلة في ثديها قبل اندلاع الحرب، وكانت تحرص على الفحص الذاتي بصورة شهرية، قبل أن تتحول هذه العادة إلى ممارسة يومية مع تصاعد المخاوف من اتساع رقعة القتال ووصوله إلى شرق السودان.
وفي مدينة كسلا، شرقي البلاد، شهدت إسراء تدفق نازحين من الخرطوم والجزيرة ودارفور، فيما باتت تتساءل عن قدرة المرافق الصحية على استيعاب الأعداد المتزايدة، وتأثير الضغط على الخدمات في المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية مستمرة.
ومع مرور الوقت، تجاوزت مخاوفها وضعها الصحي لتشمل معاناة نساء أخريات يكافحن للحصول على العلاج، في ظل عجز بعضهن عن تحمل تكاليف السفر والإقامة والأدوية، أو الوصول إلى مراكز العلاج الإشعاعي في الولايات الأخرى.
أدوية باهظة واستراحة مغلقة
ونقل التقرير عن هويدة إبراهيم، مؤسسة ورئيسة مبادرة سعاد لمكافحة سرطان الثدي في كسلا، قولها إن التبرعات الشهرية التي كانت تتلقاها المبادرة بانتظام أصبحت تُوجَّه إلى المساهمة في تكاليف العلاج والفحوصات ونقل المريضات إلى مراكز العلاج الإشعاعي في مروي ودنقلا بالولاية الشمالية.
وأضافت أن أسعار بعض الأدوية تتراوح بين 200 ألف جنيه ومليون جنيه للجرعة الواحدة، وفق تقديراتها، مشيرة إلى اضطرار المبادرة لإغلاق استراحة كانت تستقبل المريضات القادمات من مناطق بعيدة، بسبب ارتفاع تكاليف الإيجار وتوجيه الموارد المحدودة إلى العلاج.
وتأسست المبادرة عام 2012، عقب وفاة قريبة لهويدة بسبب مضاعفات سرطان الثدي. وتقدم المنظمة خدمات الفحص السريري، وتوعية النساء بكيفية إجراء الفحص الذاتي، إلى جانب متابعة الحالات التي تظهر عليها مؤشرات تستدعي مراجعة الطبيب.
لكن جهود الكشف المبكر تواجه عقبة إضافية، تتمثل في تعطل جهاز الماموغرام، الذي يساعد على اكتشاف التغيرات والكتل الصغيرة في الثدي قبل أن تصبح محسوسة.
من دور العلم إلى مراكز الإيواء
وأدت الحرب إلى انتقال أعداد من النساء المصابات بالسرطان من مناطقهن إلى ولايات أخرى بحثاً عن الأمان والعلاج، بينما واجهت مريضات أخريات صعوبات في الوصول إلى المراكز المتخصصة، بسبب تكاليف التنقل ونقص الموارد الأساسية.
وقالت إسراء إن ظروف النزوح والسفر تزيد من معاناة المريضات، في ظل نقص المياه النظيفة والغذاء المناسب، والاضطرار إلى الانتظار فترات طويلة تحت أشعة الشمس، وهي ظروف ترى أنها تفوق قدرة كثير من المرضى على التحمل.
وبينما تمكنت بعض النساء من الوصول إلى كسلا، اتجهت أخريات إلى مناطق تضم مراكز للأورام، من بينها ود مدني في ولاية الجزيرة، وشندي في ولاية نهر النيل، ومروي في الولاية الشمالية. أما القادرات على تحمل تكاليف السفر، فتمكنّ من تلقي العلاج خارج السودان
عودة جزئية لمستشفى «الذرة»
وفي الخرطوم، لا تزال آثار الحرب حاضرة في مستشفى الخرطوم لعلاج الأورام، المعروف باسم «الذرة»، وهو المركز المرجعي لعلاج السرطان في السودان.
وبحسب التقرير، توقف العلاج الكيميائي في المستشفى لأكثر من ثلاثة أعوام، قبل استئناف العمل به في مارس 2026، وإعطاء أول جرعة كيميائية داخله بعد انقطاع طويل.
وقالت ندى صالح عثمان، مسؤولة المختبر الطبي وبنك الدم بالمستشفى، إن المنشأة استقبلت خلال سبتمبر 2026 نحو 323 مريضاً جديداً و798 مريضاً يتابعون علاجهم.
وأضافت أن عمليات الكشف المبكر بدأت في الثالث من أكتوبر الجاري، واستقبلت الفرق الطبية 45 امرأة خلال الأيام الثلاثة الأولى، اطمأنت بعضهن إلى نتائج الفحص، بينما اشتُبه في إصابة أخريات، وأُحلن لإجراء فحوصات إضافية، شملت الموجات فوق الصوتية وأخذ عينات.
وأوضحت ندى أن الفحوصات تُقدم مجاناً، لكن عدم استقرار الكهرباء يحول دون تشغيل بعض الأجهزة المتخصصة في المختبر، ما يعرقل استعادة الخدمات بصورة كاملة.
وفي وقت تسلط فيه حملات «أكتوبر الوردي» الضوء على أهمية الوقاية والكشف المبكر عن سرطان الثدي، تواجه مريضات سودانيات واقعاً صحياً معقداً، تتداخل فيه أعباء المرض مع النزوح وتكاليف العلاج وتراجع قدرة المؤسسات الصحية على تقديم الخدمات.
