
انعكاس أعراض ومضاعفات مرض الجنيه السوداني على سودانيي كمبالا
كمبالا/الغد السوداني – محمد عبدالله كندشة
منذ أكثر من شهر، يعيش الشلن الأوغندي إحدى أسوأ فتراته أمام الدولار، إذ تراجع من 3700 إلى نحو 4300 شلن. تراجع يزيد على 16% في فترة وجيزة، لم تشهده أسواق كمبالا منذ أكثر من عشرين عاماً، وأعاد إلى الأذهان موجات التضخم التي ضربت المنطقة في مطلع الألفية.
غير أن أزمة الشلن وحدها لم تكن لتقلق السودانيين في أوغندا، لولا أنها تزامنت مع انهيار أشد قسوة للجنيه السوداني. فالجنيه الذي كان مستقراً نسبياً في بداية الحرب، بات اليوم يلامس حاجز 10,050 جنيه للدولار الواحد. نحن إذن أمام تدهور مزدوج، تدهور في عملة البلد المضيف، وتدهور أعمق في عملة البلد الأم، وما بينهما يقف السوداني المغترب مثقلاً بالخسارتين.
أولاً: معادلة المعيشة المستحيلة
تقوم حياة غالبية السودانيين في كمبالا على معادلة بسيطة في ظاهرها، قاسية في جوهرها: مصاريف يومية بالشلن والدولار، ودخل شهري بالجنيه السوداني عبر التحويلات. وقد انكسرت هذه المعادلة تماماً.
فالأسرة الصغيرة المكونة من أربعة أفراد تحتاج في الحد الأدنى للعيش الكريم في كمبالا إلى ما لا يقل عن 500 دولار شهرياً. يذهب جل هذا المبلغ إلى الإيجار الذي يتراوح بين 200 و300 دولار في أحياء مثل كابالاغالا وكانسانغا ومينغو وكاومبي، ثم إلى المدارس والكهرباء والماء والعلاج. هذا المبلغ يعادل اليوم نحو خمسة ملايين وخمسة وعشرين ألف جنيه سوداني.
وخمسة ملايين ليست رقماً عابراً. إنها راتب خمسة أشهر لموظف حكومي في السودان، أو دخل شهر كامل لتاجر متوسط في أسواق أم درمان. فكيف لأسرة تعتمد على أب أو أخ يعمل بمهنة عادية داخل السودان أن توفر هذا المبلغ بانتظام؟
لهذا لم يعد حديث العودة همساً في مجالس السودانيين في أروا بارك وكيسيني، بل أصبح قراراً يدرس بجدية، ولو كانت العودة إلى المجهول.
ثانياً: حتى أصحاب الدولار لم يسلموا
ساد اعتقاد بأن السودانيين الذين تصلهم تحويلات بالدولار من أوروبا وأمريكا والخليج في مأمن من أزمة الجنيه. غير أن ما يجري في أسواق كمبالا يكذب هذا الاعتقاد.
فالغلاء بدأ يتسلل بهدوء، لكنه يتسلل بثبات. ارتفع كيلو لبن البودرة من 20 ألف شلن إلى 26 ألفاً بنسبة 30%، وقفز باكيت الدقيق الأبيض زنة 2 كيلو من 7 آلاف شلن إلى 9 آلاف شلن، وارتفع لوح الصابون المكون من أربع قطع من 5 آلاف شلن إلى 7 آلاف شلن في متاجر الأحياء الداخلية. وهي ليست سلعاً كمالية، بل أساسيات كل بيت.
وهذا الغلاء ليس معزولاً، بل مرتبط مباشرة بتراجع الشلن، لأن أوغندا تستورد جل احتياجاتها من الحليب والدقيق والمواد المصنعة بالدولار. ومع كل تراجع جديد للشلن، سترتفع حلقة جديدة من الأسعار، من إيجارات المحلات إلى رسوم المدارس الخاصة وصولاً إلى تذاكر الباصات.
ثالثاً: سوق عمل موصد
يضاف إلى كل ذلك صعوبة إيجاد موطئ قدم في السوق، واستحالة الحصول على وظيفة في بلد يعاني أصلاً من بطالة مزمنة ورخص شديد في الأيدي العاملة. ففرص العمل المتاحة للسودانيين تكاد تكون معدومة، والمنافسة فيها غير متكافئة.
إذ يتراوح مرتب العامل الأوغندي ما بين 150 ألف شلن إلى 400 ألف شلن فقط في الشهر، أي ما يعادل 35 إلى 95 دولاراً. وهو مبلغ لا يكفي السوداني لسد إيجار غرفة واحدة، فضلاً عن إعالة أسرة، في ظل منافسة مع عمالة محلية تقبل بأقل الأجور وتعمل لساعات أطول، مما يضيق الخناق أكثر على السوداني الباحث عن عمل.
رابعاً: لماذا كسد السوق السوداني؟
السوق السوداني في كمبالا لم يكن يوماً سوقاً محلياً خالصاً، بل كان سوقاً عابراً ينتعش بثلاثة روافد أساسية، وقد جفت ثلاثتها معاً.
الرافد الأول، العابرون من الخليج. وهم سودانيون مقيمون في السعودية والإمارات كانوا يأتون إلى كمبالا لإكمال إجراءات الزيارة والعمل والإقامة، فيقضون أسابيع ينفقون بسخاء على السكن والمطاعم والتحويلات. وبعد تشديد الإجراءات وتقليص معاملات كمبالا، توقف هذا الشريان تماماً.
الرافد الثاني، سياح أوروبا. وهم من أبناء الشتات السوداني في أوروبا الذين كانوا يفضلون قضاء إجازاتهم في كمبالا بدلاً من بورتسودان، هرباً من الحرب وكلفة السفر، ليجتمعوا بأهاليهم في بيئة آمنة، ويستمتعوا بطقوس القهوة والشواء، وبخيرات أوغندا الطبيعية، وبين شعب عرف بمحبته للسودانيين. أما اليوم، فقد أحجم كثير منهم عن المجيء خشية تعقيدات العودة وإجراءات الحجر والتدقيق في مطارات أوروبا.
الرافد الثالث، التحويلات الداخلية من السودان، والتي تراجعت بحدة بسبب الحرب وتوقف الرواتب وتآكل مدخرات الأسر.
والأصعب من كل ذلك أن أغلب دخول السودانيين في كمبالا تأتي من بعضهم البعض، فالسوق السوداني قائم بجوهره على تبادل المنافع الداخلية، سودانيون يبيعون لسودانيين، وسودانيون يشترون من سودانيين. فالتاجر يبيع للطالب، والطالب يترجم للمريض، والمطعم يطعم موظف المنظمة. وهي دائرة مغلقة، إذا أصيب طرف منها بالكساد، انتقلت العدوى إلى الجميع دون استثناء، وهذا ما يحدث اليوم.
اجتمعت هذه العوامل فأنتجت كساداً غير مسبوق: محلات بلا زبائن في الصباح، ومطاعم سودانية خالية عند الظهيرة، ومكاتب تحويلات تنتظر الساعات لزبون واحد.
خامساً: لغة الأرقام
ولكي نفهم حجم ما حدث، لابد من وضع الأرقام جنباً إلى جنب.
في بداية الحرب، كان 100 ألف جنيه سوداني تعادل 200 دولار، وكان الدولار الواحد يساوي 500 جنيه، وكان الجنيه الواحد يشتري 7 شلنات أوغندية.
اليوم، انقلبت الصورة رأساً على عقب. أصبح 100 ألف جنيه لا تساوي سوى 40 ألف شلن، أي أن الجنيه الواحد بات يساوي 0.4 شلن فقط، فاقداً بذلك 94% من قيمته أمام الشلن.
أما أمام الدولار، فالدولار الواحد الذي كان بـ 500 جنيه، أصبح اليوم بـ 10,050 جنيه، والـ 100 دولار التي كانت بـ 50 ألف جنيه، أصبحت اليوم بـ 1,005,000 جنيه. أي أن الدولار ارتفع أكثر من 1910%، وفقد الجنيه أكثر من 95% من قيمته.
وباختصار، ما كان يشتريه 100 ألف جنيه قبل الحرب، أصبح اليوم يحتاج إلى أكثر من مليوني جنيه لشرائه.
بين مطرقتين
خلاصة القول، إن ما يعيشه سودانيو كمبالا اليوم ليس مجرد أزمة سعر صرف عابرة، بل هو انعكاس مباشر لمرض عضال أصاب الجنيه السوداني، انتقلت عدواه إلى كل مكان وصل إليه السوداني.
فالسوداني في كمبالا يقف اليوم بين مطرقتين، عودة إلى وطن لا تزال الحرب تنهش اقتصاده وخدماته، أو بقاء في منفى تزداد كلفته يوماً بعد يوم، يصارع فيه غلاء السوق وشح الشلن وضيق ذات اليد، على أمل أن يتعافى الجنيه، أو يستقر الشلن، أو يحدث ما يعيد لهذه المعادلة المختلة بعضاً من توازنها المفقود.
