
صمود الاقتصاد بين مضاربات العملة وجراحة الإصلاح الهيكلي
الخرطوم الغد السوداني – أمين محمد الأمين
بين ضغوط الحرب وتراجع قيمة الجنيه وتصاعد نشاط سوق النقد الأجنبي، يدخل الاقتصاد السوداني مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها آثار الصراع مع اختلالات الإنتاج والتجارة والسياسات النقدية. وبينما تؤكد الحكومة قدرة الاقتصاد على الصمود في مواجهة الضغوط، يرى اقتصاديون أن معالجة الأزمة تتطلب الانتقال من التدابير الآنية إلى إصلاحات هيكلية تعيد توجيه الموارد نحو الإنتاج وتضبط سوق النقد الأجنبي.
ويكشف هذا التقرير، عبر قراءات خبراء وأكاديميين ومستشارين اقتصاديين، تبايناً في تفسير أسباب تراجع العملة الوطنية، بين من يركز على المضاربات واستهداف الاقتصاد، ومن يرى أن جذور الأزمة ترتبط بصورة أعمق بتراجع الإنتاج والصادرات واضطراب سلاسل الإمداد وتداعيات الحرب على القطاع المصرفي والإيرادات العامة. وفي الحالتين، يبرز تحدي الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء اقتصاد قادر على استعادة الإنتاج والثقة والاستقرار النقدي.
واقع اقتصادي
وكان وزير المالية، د. جبريل إبراهيم، أكد قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود رغم الضغوط المعيشية وتداعيات الحرب. وأوضح خلال لقاء بأمدرمان، أن البلاد تواجه محاولات لتغيير الواقع الاقتصادي عبر المضاربة في سوق النقد الأجنبي واستهداف مؤسسات الدولة. وشدد الوزير على أن تجاوز المرحلة الراهنة يستلزم تضافر الجهود الوطنية، وحماية المرافق الخدمية، وضمان استمرار عجلة الإنتاج.
تطمين وإقرار
وضع المستشار الاقتصادي الدكتور أحمد حسن الفادني حديث وزير المالية بشأن الأبعاد الاقتصادية للحرب في ثلاثة زوايا؛ أولاها بث التطمين مع الاعتراف بالأزمة. وأوضح الفادني أن وصف الوزير للاقتصاد بأنه “بخير” يُعد خطاباً موجهاً لرفع الروح المعنوية، إلا أنه يتطلب معالجة واقعية تتسق مع إقراره بوجود أعباء معيشية كبيرة على المواطنين.
تأطير الأزمة
وأشار إلى أن الزاوية الثانية تتمثل في تأطير الواقع كحرب شاملة؛ مبيناً أن تصنيف الأزمة كحرب اقتصادية وإعلامية يهدف لتوحيد الصف الوطني ونقل عبء المسؤولية جزئياً من الإخفاقات الداخلية إلى استهدافات خارجية.
تناقض الواقع
ولفت الفادني إلى الفجوة بين التصريحات والواقع؛ موضحاً أنه في الوقت الذي يرى فيه الوزير أن المضاربات غير حقيقية، تؤكد التقارير دخول شركات عامة وخاصة إلى السوق الموازي لشراء الدولار عبر وسطاء، مما قفز بسعر الصرف ليتجاوز 8,400 جنيه مقارنة بـ 565 جنيهاً قبل الحرب، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات قيادة الدولة من خطورة التدهور.
ضبط السوق
وشدد على ضرورة ضبط السوق النقدي فوراً عبر إلزام الشركات بالامتناع عن شراء العملات خارج الأطر الرسمية، وحظر تفويض السماسرة، مع فرض رقابة حازمة على السوق الموازي لكبح المضاربات.
إصلاحات هيكلية
ودعا الفادني للانتقال من “مسكنات الأزمات” إلى الجراحة الهيكلية؛ عبر إصلاحات جذرية تتضمن تقليص النفقات الحكومية، وإلغاء الامتيازات غير الضرورية، ودمج المؤسسات المتشابهة لتخفيف الضغط على الخزينة.
تعزيز الإنتاج
وطالب بتحفيز الإنتاج وترسيخ الشفافية، مؤكداً أن الحل الجذري يستند إلى زيادة الإنتاج المحلي، وتحسين الصادرات، وضبط سعر الصرف، ومكافحة التهرب الضريبي، وإصدار تقارير دورية للجمهور حول أوجه الصرف لإعادة بناء الثقة.
دعم دولي
واختتم د. الفادني بالحث على الاستفادة من استراتيجيات التعافي الدولية لإعادة ترميم البنية التحتية، والاستفادة من مبادرات التمويل الموجهة للقطاع الخاص والطاقة المتجددة والمشروعات الصغيرة.
أبعاد الصدمة
أكدت دكتورة ماجدة مصطفى صادق، عميد كلية الاقتصاد بجامعة السودان العالمية، أن تصريحات وزير المالية يجب التعاطي معها وفق سياق كلي يتجاوز مجرد تقلبات الدولار والمضاربة. وأوضحت أن المواجهات المسلحة أحدثت صدمة عنيفة أصابت الإنتاج، والتجارة، والنقل، والجهاز المصرفي، وتجفيف الإيرادات؛ مستشهدة بتقارير دولية تنبّه لاستمرار التضخم وانخفاض القوة الشرائية.
أشكال الحرب
وأضافت د. ماجدة أن الحرب الاقتصادية تتجسد في تعطل سلاسل الإمداد، والضغط على النقد الأجنبي، وتهريب الذهب، ونشر الشائعات للتحكم في توقعات السوق. ونفت اختزال قفزات الدولار في “المؤامرة”، مشيرة إلى أن تراجع الجنيه ينبع من عوامل أساسية تمثل اتساع الفجوة بين نمو الواردات وانحسار الصادرات؛ داعية لتشخيص دقيق يفرّق بين تداعيات الحرب وضعف السياسات.
مسارات الحل
واقترحت د. ماجدة ثلاثة مسارات للحل؛ الأول تحقيق الاستقرار النقدي بتنسيق محكم بين المالية والبنك المركزي وتنمية الإيرادات. والثاني النهوض بالإنتاج والصادرات وتحفيز التصنيع لإضافة قيمة مضافة وتنظيم سوق الذهب. والأثر الثالث يرتكز على تقليص الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي بضخ المعروض في المصارف وتسهيل التحويلات لاستعادة الثقة.
أدوات المواجهة
وبينت د. ماجدة أن المفهوم يتجاوز نطاق طرف واحد ليشمل شبكات متداخلة، مؤكدة أن تحديد المسؤولية يقتضي توفير أدلة قاطعة. واختتمت بالتحذير من أن تعافي الاقتصاد لا ينشأ بالتصريحات أو القرارات الإدارية، بل بمضاعفة الإنتاج، وزيادة تدفقات العملة الصعبة، والتحول من “اقتصاد إدارة الأزمة” إلى “اقتصاد الإنتاج”.
المخرج الآمن
يتطلب تجاوز هذه المرحلة الحرجة الانتقال السريع نحو تطبيق حزمة من التدابير الرشيدة التي توازن بين السياسات النقدية وتحفيز القطاعات الحقيقية؛ إذ يكمن المخرج الآمن في اعتماد خارطة طريق ملموسة ترتكز على إحكام الرقابة المصرفية على مشتريات النقد الأجنبي، وحظر التعامل عبر الوسطاء والسوق الموازي، بالتوازي مع تقديم تسهيلات مباشرة للمنتجين في المناطق الآمنة. إن إعادة بناء الثقة بين الجهاز المصرفي والمتعاملين، وتوجيه الموارد المتاحة نحو المدخلات الإنتاجية والصناعات التحويلية بدلاً من الاستهلاك، تشكل حجر الزاوية لحماية القوة الشرائية وتأمين الأمن الغذائي للمواطنين على نحو مستدام.
