حول توجهات النقاء النقابي والصوابية الثورية.. نحو “كَتْلَة المَتمة الصحفية”

بقلم/ عادل كلر – تعليق على إستقالة ممثلى الشبكة من مجلس النقابة: حول توجهات النقاء النقابي والصوابية الثورية.. نحو “كَتْلَة المَتمة الصحفية”

——————————–

“لا ليلَ في ليلنا المتلأليء بالمدفعية

أعداؤنا يسهرون وأعداؤنا يشعلون لنا النور

في حلكة الأقبية”..

(درويش، حالة حصار)

بدايةً، أوضح أني أناقش هنا، الفكرة العامة للسياق الخاص بموقف شبكة الصحفيين السودانيين تجاه قرار مجلس نقابة الصحفيين السودانيين بتمديد دورة مجلس النقابة ومعطوفاً عليه قرار الخروج من التحالفات السياسية، والأهمية بالترتيب ذاته، وفي تقدير بليغ وإنضباط تنظيمي تجاه الرفاق بالشبكة كعضو فيها، وبالزمالة المهنية المقدسة مع الزملاء بالنقابة (بت دمنا وتجربتنا الكلية)، فكليهما إكليلان على هامتي، وواسطة عقد مشاويري في الحياة، أنعم بهما وأكرم من وداد وطول معشر صقيل وزاد دربٍ وَعرٍ ناضر.

وأذهب في التشبيه مع موقف الأخوة الكرام بالحزب الشيوعي السوداني من تحالف قوى الحرية والتغيير (قحت) خلال الانتقالية، لا طعناً من قناة -وحاشا- أو تعريضاً بالعضوية المتداخلة ما بين فسطاطي المهنة والتوجه السياسي، فهذا مفروغ منه بحق المادة (19) نفسها: حرية الرأي والتعبير، إذ تنص بجلاء على الحق في تبني الأفكار والآراء، ناهيك عن تناقلها. بل على سبيل المماثلة، إذ تستدعي المقارنة السياقية، المشهدين في التاريخ القريب لما فيهما من وشائج بنيوية هي مدعاة لهذه الكتابة، لذا وجبت الإشارة والتنبيه.

(1)

استندت النقابة في قرار المجلس في دورة إنعقاده الرابعة عشرة (26 أغسطس – 7 سبتمبر 2026م) القاضية بالتمديد الاستثنائي لدورة مجلس النقابة واستحقاق الجمعية العمومية، على أحكام المادة المادة (28/6) من النظام الأساسي، والتي تقرأ: “عند نشوء ظروف قاهرة تحول دون انعقاد الجمعية العمومية عقب انقضاء دورة النقيب ومجلس النقابة لأي سبب من الأسباب تمنع انتخاب نقيب ومجلس، يستمر المجلس القائم في تسيير شؤون النقابة لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتجديد لحين انجلاء تلك الظروف”. وذلك بعد طول مشاورات ماكوكية وطلب فتاوى قانونية منذ شهر رمضان الفائت نحو مارس الماضي، وانعقاد أعمال لجنة المسار والتحول النقابي في مايو الماضي (بقيادة أ. علي الدالي)، جولات وتحركات تجاه معضلة خلقناها جميعنا من خلال نقاشنا الذي كان لا ينقصه التشنج أو السهو وعدم الخبرة، بدار المهندس بعد طول ساعات إنعقاد العمومية التأسيسية في 23 يوليو 2022 (السبت الأغر) وأجزنا -لو تتذكروا- نظام أساسي لا تنقصه الثقوب، ولا تثريب بعد طول إنقطاع فاق الثلاثين عاماً، وهو ما حدا بالنقابة المنتخبة لاحقاً، في بدايات 2023 إلى إطلاق أعمال لجنة مراجعة النظام الأساسي واللوائح (أشرفت عليها أ. مشاعر دراج) وفق مقررات دورة الإنعقاد الثانية لمجلس النقابى بتاريخ الاثنين 12 ديسمبر 2022: (بند) مراجعة ترتيبات التأسيس على مدى ثلاثة شهور قبل رفع تقرير ختامي، وعقدت فعاليتين بدار النقابة بالخرطوم شرق وفتحت أ. مشاعر مشكورة باب المراسلات الالكترونية أو حتى بالاتصال الهاتفي لتضمين وجهات النظر والمقترحات الممكنة، بدأب واجتهاد، لمعالجة أمر النظام الأساسي المجاز، ومن بين ذلك الواجب، كانت مواد باب الجمعية العمومية، بصرامتها الدستورية المشترطة للحضور (الجسدي) والتي أغلقت (أي أونلاين ممكن) نصاً، والتي لم تجد أحداً منا ليقترح فتح باب التعذر والظرف القاهر الوارد في (2-28) على نحو يلتئم فيه الشمل عبر البديل التكنولوجي أو بنظام الكليات المهجرية أو غير ذلك من الوسائل والآليات، رغم مرورنا جميعاً بتجربة (كوفيد19) التي جعلت كل أمر ممكناً (أونلاين) ومقبول من ناحية الشرعية. إذ هو واجب فات جمعنا إبتداءاً رغم تعدد فرص إصلاحه، وقد كان الملف بيد زميلة موقرة بالمجلس، بخلفية شبكة الصحفيين.

وفي ظل الحرب كواقع ومعطى تسبب في تشتت القاعدة الصحفية المكونة للجمعية العمومية على دول شتى، وفي ظل الفضاء السياسي المتوفر في السودان(ين): ما هو تحت حكومة كامل ادريس، أو التعايشي، من سياسي عسكري وأمني بالغ الخطورة والجسامة، وفي إطار (حالة الطواريء) معلنة كانت أم لا.. يستحيل بالإمكان عقد الجمعية العمومية داخل البلاد، مرةً وللأبد.. (وفي هذه النقطة كنت جزء من لجنة سرية كونتها الأجسام المشتركة الثلاث لتأمين جمعياتنا الثلاث: مارس 2022 التي انتخبت الزملاء بقيادة أبو إدريس وكانت بالمجلس القومي للأداب والفنون، عمومية يوليو 2022 بدار المهندس، العملية الانتخابية أغسطس 2022 مع زملاء آخرين لهم الحق في ذكر أسماءهم إن شاؤوا- من الاستعادة، ومنصة التأسيس، والتمهيدية وهي المكونات الثلاثية للجنة الأجسام الصحفية العملت التوافق النقابي القادنا لميلاد النقابة)، وبالخبرة المتواضعة دي، وبصدق في الظرف الراهن لو جبنا معانا “حامية الخرطوم: منطقة الخرطوم العسكرية المركزية” ما بنقدر (نأمِّن) أو (نأمن) سلامة أرواح وأبدان ومتعلقات زملائنا وزميلاتنا لو قررنا عقد الجمعية في الخرطوم العاصمة المثلثة! إذن هنا، تأتي الفلسفة والعذر المباشر والداعي للتمديد -وأعتقد بأنه قابل للتكرار بذات السند الدستوري- بمقبولية عالية، لا يجادل فيها إلا مُكابِر أو مُتَشَــــهِّي لـ”كتلة متمة” جديدة!

والأمر المرتبط بجوهر اعتراض الشبكة على التمديد والإصرار على رده الى الجمعية العمومية الـ(يستحيل إنعقادها داخل السودان دي بقدر ما يستحيل تعديل النظام الأساسي لإضافة بند بديل “الجمعية العمومية الاسفيرية” بدون انعقاد الجمعية العمومية الجسدي) هذه الدائرة المغلقة؛ هو موقف وبيان شبكة الصحفيين السودانيين نفسها بتاريخ 4 أغسطس 2021 والمعنون (المؤتمر العام الأول لشبكة الصحفيين السودانيين) الى جماهير القاعدة الصحفية، الذي أعلن عن قيام المؤتمر لـ(رد تكليف الأمانة إلى مظانها الأولى وإعادة صرحكم المهني الى أصحابه بعد طول تأخير نعترف به ونقره بمسؤولية تامة لا تنقصها الشجاعة، في سياق اللجج الموضوعية وسياقات المد والجذر التي حالت، مرةً وللأبد، دون ممارسة الحق الديمقراطي في ظل إهاب بوليسية الإنقاذ ومتاريسها الأمنية)-البيان كامل أعدت نشرو في صفحتي على الفيسبوك. وبإختصار، إذا كان سياق الإنقاذ الذي نعلم قد حال دون استمرار التجربة الديمقراطية عندنا في الشبكة، بعد انتخاب الـ(17) في السكرتارية، صارت الشبكة تعتمد على التصعيد والمبادرة بالتصدي للعمل القيادي اليومي بكلفة مخاطره وتعبو، بعد هجرة، وفاة، تنحي، الأعضاء المنتخبين في سنوات طويلة، وبعد أن شرعت السكرتارية التحضيرية للمؤتمر وعقدت اجتماعات محضورة وصورت فيلم عن تاريخ الشبكة (اخراج أ. ياسر عركي)، أعتقد -من باب إلتماس العذر- أن الانقلاب والانخراط في التأسيس للنقابة قد منع الشبكة من عقد مؤتمرها الاول بما فيه من إنتقال من (شرعية المقاومة) إلى (شرعية الصندوق) المفترض كما كان النقاش في جلسات اللجنة التحضيرية، والسؤال المباشر هنا، للشبكة بخبرتها الواسعة في تأجيل الجمعيات العمومية -وأنا ضمن هذه المسئولية وأتحملها منذ 2014، لجنة الاعداد للاجتماع الموسع، بجريدة الأيام- هل يخلق واقع (الحرب) ظرفاً مواتياً لعقد جمعية عمومية للنقابة؟!

وأعلم الفرق بين (شبكة) و(نقابة) إنما أن هنا معني بشكل الممارسة وسياقها والالتزام تجاه القاعدة الصحفية.. والزيت إن ما كفى ناس البيت يحرم على الجيران، كما يذهب دارج القول السوداني البليغ، أو أن الذي تطلبه الشبكة اليوم من بغداد النقابة تركته خلفها ببسطام..!

(2)

والمقارنة مع موقف الحزب الشيوعي السوداني في نوفمبر 2020 بالخروج من تحالف قوى الحرية والتغيير، تتلخص في العقلية الحاكمة لفلسفة خسارة الموقع التنظيمي لصالح المباديء النظرية والنقاء الثوري (النقابي)، على نبلها العظيم، بيد أن جسامة كلفتها تكمن في كونها سبب مباشر لتآكل الحاضنة السياسية الانتقالية وإضعاف الجسم الديمقراطي الوليد، بما تمنح [العقلية الحاكمة] الثورة المضادة وقوى الإرتداد ذلك الفراع المؤسسي (المثالي) والمبرر للإنقضاض على ما تبقى من مساحة مدنية مستقلة في السودان وتقويض أي درب يقود للتحول الديمقراطي أو اصلاح البنية الشمولية والفضاء العام السياسي والصحفي، على حد سواء.

وبدون مواربة، ومنذ يناير 2019 -قبل سقوط البشير رفضت صيغة قوى الحرية والتغيير، وقتها كنت زول ل. ميدان تجمع المهنيين ولست عضواً في أي حزب في الأضابير المؤسسية للتجمع، لكن الوجهة العامة بقت غير سجلت رأيي وقمت بتنفيذ ما يليني من واجب- وجددت ذات التحفظات بشرقيات كوبر قدام 29 معتقل من مختلف القوى السياسية ولي نقاشات طويلة مع أ. عمار يوسف (لجنة المعلمين) حول الأمر كنت عاوزا حاجة كدا زي (جبهة الهيئات) بدون أحزاب لكن البسمع منو، ما علينا، بس للتذكير. وبتفق تماماً مع الحزب الشيوعي في أهدافو، لا مسببات الخروج على (قحت) الأعلنا بعد طول إنخراط في التحالف(!)؛ من معارضة لروشتة البنك الدولي وسياسات التكيف الهيكلي الجابا حمدوك والبدوي وبعدو هبة، ورفض التسوية مع العسكر وسيناريوهات الهبوط الناعم، والرهان على الشارع بما يحافظ على الكتلة الثورية (النواة الصلبة لديسمبر).. متفق مع الأهداف ومختلف مع الطريقة.

لماذا؟ أضعفت تماسك الجبهة المدنية وأفقرتها تنظيمياً ونظرياً، وبدون تضخيم (ذات يسارية) خلت صورتهم -المدنيين- ككتلة مشتتة، وعزلت الحكومة الانتقالية عن عمقها الراديكالي في قاعدتها الجماهيرية، ومع ذلك نجح الحزب في رفع سقوف المواجهة وتمايز الصفوف، وبلور مفهوم ثم تحالف (التغيير الجذري) -رغم النظرة المستريبة للبناء القاعدي الكان بادي وشغال من القاعدة للقمة- وإجمالاً بالسلبيات والايجابيات بتلقى الخطوة، أسهمت بشدة بالغة في اختلال ميزان القوة لصالح العسكر حتى إنتهينا بمقطوع الطاري: الإطاري، والحرب في 15 أبريل والناس صايمين.

وبالنسبة لموقف الشبكة الراهن، على نبل مقاصدو، نحو صيانة النقاء والمباديء النقابية ورفض تسييس المهنة والتمسك بالنقابة كخيار استراتيجي (من بيان استقالة الزملاء خالد فتحي وسارة تاج السر ومشاعر دراج)، إلا إنو خسارة المجلس لقدرات الشبكة التنفيذية ورصيد خبرات كادرها وعلاقاتها التاريخية منذ العام 2008، فاتورة عالية الكلفة على تجربة النقابة الوليدة، الشبكة الرافعة الراديكالية الصلبة والخبرة النقابية والعلاقات البينية المتشربكة والمعقدة -اسألوني أنا- مع طيف مهني واسع جداً للنقابيين والمهنييين (على الأرض في الوهيطة دي)، بما يضعب التجربة، تجاه نهوض الاتحاد والبدائل الموالية للإنقاذ (مع احترامي العميق للزمالة المهنية) في أجواء أمنية وعسكرية واستقطاب بالغ الحدة، وبيئة غير مواتية لأي فاعلية ديمقراطية وشرعية تتمسك بحرية المهنية واستقلاليتها والحريات العامة، وعلى رأسها حرية الإعلام، وفي تجربة تنكبنا دونها جل سنوات العمر النضير، بلا منٍّ أو انتظار مغنم. وفي سياق إقليمي، كابح، ووجود في المهاجر والمنافي واللجوء والمغتربات، بصيغ في منتهى الهشاشة: دول أفريقيا والعالم العربي.

وهو ما يتماثل، استقال ناس الشبكة من مجلس النقابة، وقع الحافر بالحافر، مع مشهد خروح الحزب من قوى الحرية والتغيير، والخسارة على عاتق الحركة الديمقراطية والنقابية، وأفق التحول والمدنية والسلام.

(3)

البديل الثوري، والنقاء النقابي، بزعمي، في ختام المقال، لا أعتقد بأنه يكمن في اتباع منهجية نقد و(تخوين) التيار أو الاتجاه الإصلاحي التدريجي من الداخل، في السياسة أو النقابة، بل في كونه خياراً ضمن خيارات أخرى، لها جدارتها والأحترام ضمن الرصيف الجبهوي للقوى الحية، بعيداً عن احتكار الحقيقة المطلقة، وتبني الشعارات الصفرية، ويكفى مثالاً أن إجراءات حمدوك الاقتصادية وسياساته التي رفضت من قبل تجمع قبائل اليسار إلا أنها شرعت في تفكيك البنية الأمنية والعسكرية، إنطلاقاً من أيلولة الشركات العسكرية (2020-2021) هذ الملف البطيء واللا مفكر فيه، أو المتواطأ عليه، وإن كان يمضي ببطء وفي وجه إعادة رسملة الاقتصاد العسكري، إلا أنها تعتبر خطوة صحيحة في ملف (مدنيين-عسكر) وتفكيك بنية الهيمنة، وهي أحد الدروس الانتقالية المُضاعة، بمثلما ضاع السودان، أو يكاد، وزي ما قال درويش “لقد تعودت كَــفيَّ على جراح الأماني”.. وصيغ التحالفات المرنة (المفترضة!) دي، في عقابيل الثورات، أو الانتقال، أو خلال مناهضة الحروب والنزاعات، تقتضي تغليب الاستراتيجي على الإجرائي، ضمن مجمل معطيات السياق، لا أن نضع عنق التجربة بنبل غشيم، على مقاصل قوى الإرتداد، ولات ساعة مندم.

الخميس 17 سبتمبر 2026