أربطوا الأحزمة: الانهيار الاقتصادي المتسارع صار الوقود الأسرع لإشعال ثورة الجياع في السودان!
عبدالرحمن الأمين يكتب …
aamin@journalist.com
الخميس 17 سبتمبر 2026 – واشنطن
منهج استقراء التاريخ يقدم تفسيراً محكماً للثورات التي فجّرها الجياع والعطشى. والملاحظة الأهم هي أن الحرب والمجاعة يتبادلان برتابة موقع السبب والنتيجة. فيُسجن المجتمع في دائرة بلا منافذ، ويغدو حراكه مرهوناً بدوران ثنائية السبب والنتيجة، فيصبح ما يفرزه أحدهما متغيراً جديداً يقوم تلقائياً بميلاد نتيجة جديدة توّسع حلقة التكاثر وتزيد دورانها.
فالحرب تدمر دورة الإنتاج، وبالذات في القطاع الزراعي. وبموت هذا القطاع جراء ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج من جازولين وحبوب وأسمدة بسبب التراجع المريع لسعر صرف الجنيه، ينهض شبح المجاعة من مرقده فيتغذى، بسرعة، من الانهيار اليومي لقدرة الجنيه الشرائية، فيصبح وحشاً كاسراً في رمشة عين.
فتنتشر البطالة وتتراكم خسائر التجار فيهجرون أعمالهم لفرملة خسائرهم، فتغلق الأسواق أبوابها، فينفلت الأمن. ثم تتوالى المستتبعات التي يفرزها الفقر والعوز، فتتفشى الجريمة، وتزيد وتيرة العنف وإقبال الأفراد على اقتناء السلاح المنتشر أصلاً لتأمين سلامتهم والدفاع عن أنفسهم، بعدما تخلت الدولة عن وظيفتها في حماية المجتمع الذي يصبح هدفاً لسرقات النظاميين والمليشيات المتعددة.
ومع تزايد الغياب الشرطي وتراخي القبضة الأمنية وتبخر الجهاز العدلي، يبدأ الانهيار الشامل لأجهزة الدولة بشكل تدريجي ومتصاعد. عندها يسود الهلع وتنهار الروادع الأخلاقية والقانونية، فيبدأ النزوح والهجرة الجماعية من الأعيان العمرانية إلى المدن والقرى الأكثر أماناً، وفي كثير من الأحيان إلى خارج البلاد.
ولأن قوانين الفيزياء ترفض الفراغ، فإن المظاهر المليشياوية المسلحة تملأ الفراغات السكانية في المدن، فتبدأ في فرض سلطتها بتقاضي رسوم على العبور والانتقال في شوارع «الله وأكبر»!
عندما تتفاقم مخاطر التحرك والتنقل الطبيعي، يتوقف توصيل المساعدات الإنسانية من غذاء ودواء للمحتاجين، وهذا أحد نتائج هيمنة النهب المسلح والسطو وديناميات الحرب على المعابر. فيصبح كل ما كان في السابق مستغرباً ومداناً كسلوك مقبولاً، ويتم التطبيع معه بسرعة، فيسقط الرفض والاستثناء عن التصرف الغريب ويصبح المألوف الجديد The new normal!
وبالرغم من أن السودان أصبح مرجعاً دولياً في دراسات الصراع المتعدد الأسباب والمتكرر الحدوث، إلا أن بعض الحروب الأهلية، الأكثر فتكاً، تتقدمنا في ارتباطها الوثيق بأسباب اقتصادية محضة.
خذ هذه العينات: الحرب الأهلية الصينية (1927-1949)، حرب بيافرا النيجيرية (1967-1970)، إثيوبيا (1983-1985)، موزمبيق (1977-1992)، الصومال (1991-1993)، والكونغو (1998-2003)، فقد اتبعت جميعها ذات الانزلاقات الحلزونية للدائرة الشريرة المتفرعة عن تردي الأوضاع الاقتصادية المفضية إلى سياسات التجويع.
فالمجاعة واستتباعاتها من جفاف وتهميش سياسي أنجبت حلقة مفرغة من متلازمة الجوع وإفرازاته.
واليوم، تحت حكم برهان وشلته من اللصوص، فإن السودان لم يعد يواجه أزمة حرب فحسب، بل اقتصاداً حربياً تسبب في وقف الإنتاج وانهيار الأسواق وبلوغ تكاليف المعيشة سقوفاً غير مألوفة من الغلاء.
موجز الحديث، عندما يفقد الناس القدرة على شراء الخبز، ينتقل العوز والفقر من كونه شأناً اقتصادياً ليصبح مسألة بقاء، وهنا يتم رسم الخط الفاصل ما بين الحياة والموت.
فقد برهنت الثورات عبر التاريخ أن الجوع الجماعي هو الوقود الأسرع اشتعالاً والقادر على نسف الهدوء الاجتماعي وتصعيد الحرب.
