الكودةُ على خُطى معهد صلاح.. انتفاءُ العدالة
محمد عبدالله كندشة يكتب ..
لم يكن بزوغُ معهدِ صلاح في أواخر التسعينيات ومطالع الألفية الجديدة طفرةً عابرة ولا مصادفةً عمياء، بل كان إيذاناً بميلادِ مؤسسةٍ تربويةٍ احترافيةٍ اكتملت لها أسبابُ الصنعة وعللُ الريادة.
فما إن وثبت ثُلّةٌ من طلابه إلى ذؤابة قائمة أوائل الشهادة السودانية، حتى ذاع صيته وطبّق الآفاق، وتقاطرت إليه جموع الطلاب زرافاتٍ ووحداناً.
ومن رحمه انبثقت سلسلةُ مدارس النيل – المعالي، فاستحالت أيقونةً للتفوّق، وهيمنت دهراً طويلاً على عرش الأوائل، منتزعةً البساط من تحت أقدام مدارس حكومية عريقة طالما تربّعت على ذروة المجد؛ كفاطمة عبد الرحيم، والخرطوم القديمة، والخرطوم الجديدة، والأميرية، وبحري النموذجية، وحلويات سعد.
وما كان سرُّها إلا معادلةٌ محكمةٌ ثلاثية الأركان: اصطفاءُ أمهر المعلمين وأقدرهم، وتشييدُ بيئةٍ تعليميةٍ مكتملة الأسباب، ثم هندسةُ النجاح بمنحٍ دراسيةٍ سخية وتخفيضاتٍ كريمة تستقطب نوابغ مرحلة الأساس.
وهي بعينها المعادلة التي استنسخها الكودة بحذافيرها، غير أنه أضاف إليها بُعداً رابعاً فتّاكاً: هالةٌ إعلاميةٌ صاخبة وزخمٌ دعائيٌّ لا يُبارى. ولا عجب، فإذا اتحد السبب اتحدت النتيجة، بل وتجاوزتها.
وحين نكصت الدولة على عقبيها وتقاعست عن فرضها الأقدس في التنقيب عن النوابغ واحتضانهم والاستثمار فيهم للمستقبل، وهي التي كانت تملك التجربة الأمثل المتمثلة في المدارس النموذجية التي كانت تعتلي ذروة السلم التعليمي فوق المدارس الحكومية، بينما كانت المدارس الخاصة ترسف في أسفله، وحين ألقت بهذا العبء الجليل إلى كاهل القطاع الخاص الذي لا يقيم للعدالة وزناً ولا يعرف للإنصاف ميزاناً، فقد استأثر هذا القطاع بفرص التفوق بعد أن كانت مبثوثةً بعدالة بين الناس، حتى غدا التعليم سلعةً تُباع وتُشترى، وتراجعت المدارس الحكومية إلى حضيض القائمة، وسحبت الدولة يدها ورعايتها عن صروحها النموذجية، فلم يبقَ في الميدان إلا ثنائيةٌ قاصرة: تعليمٌ خاصٌّ وتعليمٌ حكومي.
وعندها يغدو هذا النجاح، مهما بدا زاهياً في ظاهره برّاقاً في مظهره، نجاحاً ناقصاً مشوهاً مجتزأً، لأنه عارٍ من أبسط معايير الإنصاف وأدنى مقتضيات العدالة في المساواة بين الموسر والمعسر.
