راتب المحافظ هل سيشغلنا عن جذور الأزمة السودانية؟
إيهاب الأمين يكتب ..
أثار الكشف الأخير عن المخصصات المالية والراتب الشهري لمحافظ بنك السودان المركزي والذي يقارب عشرة آلاف دولار موجة عارمة من الجدل والتحليلات وسط الرأي العام وفي بلد يرزح غالبية مواطنيه تحت وطأة الفقر المدقع تبدو مثل هذه الأرقام مستفزة للمشاعر إلا أن اختزال الأزمة الوطنية الشاملة في راتب موظف واحد مهما علت رتبته يمثل تشتيتاً عن جوهر القضية فإننا نواجه مأزقاً تاريخياً يتطلب تفكيك المشكلات من مصدرها الأساسي بدلاً من مناقشة تداعياتها وهياكلها الفرعية واحدة تلو أخرى.
إن المعطيات السياسية الحالية تشير بوضوح إلى أن الدولة السودانية تعيش تحت وطأة حكم عسكري انقلابي يرفض بشكل قاطع تسليم السلطة لحكومة مدنية ديمقراطية تمثل إرادة الشعب وهذا النظام لا يعمل بمعزل عن الماضي بل يتحرك مدفوعاً بأجندة الحزب المحلول الذي أدار البلاد طيلة ثلاثة عقود مخلفاً إرثاً ثقيلاً من الفساد المؤسسي وتبديد الموارد الوطنية إضافة إلى الجرائم المستمرة التي دمرت البنية التحتية والنسيج الاجتماعي وفي ظل هذا المشهد يصبح التركيز على مخصصات المحافظ بمثابة انشغال بالعارض وترك المرض الحقيقي الذي ينهش جسد الوطن.
تؤكد التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية بما في ذلك وكالات الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي أن السودان يمر بحالة انهيار اقتصادي وسياسي غير مسبوقة والأرقام الرسمية تشير إلى معدلات تضخم فلكية وتراجع حاد في قيمة العملة الوطنية وتوقف شبه كامل لعجلة الإنتاج. هذا التردي الاقتصادي انعكس بشكل مباشر على حياة المواطن الذي بات يعاني سياط الظلم والقهر ويواجه ثالوثاً مرعباً يتكون من الجهل والمرض والفقر كما أن غياب الحريات السياسية والأمنية جعل المواطن عاجزاً حتى عن ممارسة حقه الطبيعي في التعبير واعتراض سياسات السلطة، أو ببساطة عدم المقدرة على قول لا في وجه القمع المنظم.
إن القضية الحقيقية ليست كم يتقاضى هذا المسؤول أو ذاك بل في غياب آليات المحاسبة والشفافية التي لا يمكن أن تتوفر إلا في ظل نظام ديمقراطي حقيقي فعندما تغيب دولة المؤسسات ويتحكم النظام العسكري وحلفاؤه من أركان النظام البائد في مقاليد الأمور تصبح الميزانيات مجرد أرقام تخدم فئة قليلة على حساب شعب يبحث عن جرعة ماء نظيفة وكتاب مدرسي وسرير مستشفى وما يحدث للشعب السوداني اليوم من تشريد ونزوح وتجويع ممنهج هو مأساة إنسانية كبرى تفوق بكثير مسألة رواتب الوظائف السيادية.
إن تفكيك الأزمة السودانية يتطلب وعياً جمعياً يرفض الحلول الجزئية والنقاشات الهامشية إذ يجب أن تتوجه الجهود كافة نحو إنهاء الحكم العسكري واقتلاع جذور الفساد التي غرسها الحزب المحلول على مدار ثلاثين سنة وتأسيس حكم مدني ديمقراطي يحقق العدالة والحرية والعيش الكريم. إن التركيز على قضايا فرعية مثل راتب المحافظ لن يغير من واقع الانهيار شيئاً طالما أن المنظومة التي تدير البلاد برمتها تحتاج إلى تغيير جذرى وشامل يرجع السلطة إلى أصحابها الحقيقيين.
