خفافيش الظلام- كيف يعيد «المؤتمر الوطني» تدوير جثته السياسية؟
بقلم/ زهير عثمان – حين يخرج حزب ارتبط اسمه بانقلاب عسكري أطاح بالنظام الديمقراطي، وحكم البلاد لثلاثة عقود، ليقدم للسودانيين اليوم وثيقة بعنوان (الرؤية الوطنية لحزب المؤتمر الوطني)، ويتحدث فيها عن السلام، والوحدة الوطنية، ودولة المواطنة، والديمقراطية، فإن السؤال الأول الذي يفرض نفسه ليس: ماذا يقول الحزب؟ , بل- أين كان هذا الكلام طوال ثلاثين عامًا؟ , هذه ليست مسألة لغوية، ولا خلافًا حول المصطلحات. إنها مسألة تتعلق بالذاكرة السياسية والأخلاقية للسودان. فالحزب الذي يصدر اليوم رؤية تتحدث عن (الانتقال الديمقراطي) هو نفسه الحزب الذي وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري، وأعاد تشكيل الدولة والمجتمع وفق مشروع شمولي، وأقصى خصومه السياسيين، وضيّق المجال العام، وأخضع مؤسسات الدولة لسلطة النظام السياسي , ولهذا فإن قراءة الوثيقة لا ينبغي أن تبدأ من عبارات مثل -دولة المواطنة والسلام و الاستقرار، وإنما من سؤال أكثر جوهرية- هل تغيرت الفكرة التي أنتجت الأزمة، أم تغيرت اللغة فقط؟
الديمقراطية بعد ثلاثين عامًا من الغياب
تبدو الوثيقة الجديدة وكأنها اكتشاف متأخر لمفردات السياسة الحديثة. فهي تتحدث عن وحدة السودان، واستعادة الأمن، والانتقال إلى السلام، وإعادة بناء الدولة، وتوسيع المشاركة الوطنية, ولا أحد يمكنه الاعتراض على هذه الأهداف في ذاتها.
المشكلة أن الديمقراطية ليست قاموسًا يمكن استعارته عند الحاجة، وليست كلمة جميلة تُضاف إلى مقدمة وثيقة سياسية كي تمنحها شرعية جديدة.
الديمقراطية بالنسبة إلى السودان تعني قبل كل شيء المساءلة، وتداول السلطة، واستقلال المؤسسات، وحرية التنظيم والتعبير، ورفض الانقلاب على الإرادة الشعبية , ومن هنا تبدو المفارقة صارخة: كيف يتحول صاحب التجربة الشمولية إلى مبشر بالديمقراطية دون أن يقدم مراجعة نقدية لتلك التجربة؟ وكيف يمكن الحديث عن المستقبل دون الوقوف أمام الماضي؟
إن المشكلة في خطاب المؤتمر الوطني ليست أنه يتحدث عن السلام أو الديمقراطية؛ بل أنه يتحدث عنهما من دون أن يضع تجربته التاريخية على طاولة النقد والمحاسبة السياسية , من «إنقاذ الدولة» إلى إنقاذ التنظيم.
تقول الوثيقة إن السودان يمر بمنعطف تاريخي يهدد الدولة والمجتمع، وإن الخطر لا يتمثل في الحرب وحدها، وإنما في تفكك مؤسسات الدولة واتساع التدخلات الخارجية وتآكل الوحدة الوطنية , وهنا لا يحتاج القارئ إلى كثير من الذكاء ليكتشف المفارقة
فالدولة السودانية لم تدخل أزمتها الحالية فجأة مع اندلاع الحرب في أبريل 2023. لقد تراكمت أزمات الدولة عبر عقود طويلة: تسييس المؤسسة العسكرية، وإضعاف المؤسسات المدنية، والحروب الأهلية، والانقسامات الجهوية، والاقتصاد المنهك، وتآكل الطبقة الوسطى، وتراجع الحياة السياسية، وتفكك العلاقة بين المركز والأطراف , وإذا أراد المؤتمر الوطني أن يقدم نفسه اليوم باعتباره مشروعًا لإنقاذ الدولة، فعليه أولًا أن يجيب عن سؤال بسيط- أي دولة يقصد؟ , دولة الحزب؟
أم دولة المؤسسات؟ , ولة الولاء السياسي؟ , أم دولة المواطنة المتساوية؟
فالسودان لا يحتاج إلى «إنقاذ» يعيد إنتاج الدولة القديمة تحت مسميات جديدة. ما يحتاجه هو إعادة تأسيس الدولة نفسها
حين تصبح «الوطنية» وسيلة لإعادة تدوير الماضي
أخطر ما في الخطاب الجديد هو استخدام مفردة «الوطنية» بوصفها مظلة سياسية واسعة يمكن أن يختبئ تحتها الماضي.
فالوطنية ليست امتيازًا حصريًا لحزب، ولا بطاقة عبور إلى السلطة , ومن حق المؤتمر الوطني أن يطرح رؤيته، مثل أي تيار سياسي، ولكن من حق السودانيين أيضًا أن يسألوا عن مسؤولية كل القوى السياسية عن الكارثة التي وصل إليها البلد.
لا يمكن أن يصبح رفض الحرب، فجأة، شهادة براءة من تاريخ طويل من الصراع السياسي , ولا يمكن أن يصبح الحديث عن سيادة الدولة بديلًا عن الحديث عن كيفية بناء دولة لا تستخدم مؤسساتها ضد مواطنيها , ولا يمكن أن تصبح الدعوة إلى وحدة السودان وسيلة لتجاوز الأسئلة المتعلقة بالعدالة والحقوق والحريات
الوثيقة التي تتحدث عن المستقبل ولا تسأل عن الماضي
في صفحات الوثيقة تظهر عبارات عن(المرحلة الانتقالية)، و(السلام)، و(استعادة الأمن)، و(بسط سلطة الدولة) و(المشروع الوطني الجامع) , وكل ذلك يبدو جميلًا على الورق , لكن أي مشروع وطني حقيقي لا يبدأ من المستقبل فقط؛ بل يبدأ من الاعتراف بالماضي , كان يمكن للمؤتمر الوطني، لو أراد تقديم مراجعة سياسية حقيقية، أن يقول بوضوح- لقد أخطأنا في الانقلاب على الديمقراطية , لقد أخطأنا في احتكار الدولة , لقد أخطأنا في إدارة التنوع السوداني , لقد أخطأنا في تحويل السياسة إلى معركة إقصاء , لقد أخطأنا حين جعلنا بقاء النظام مقدمًا على بناء الدولة -وثم بعد ذلك يقول , للسودانيين- نريد أن نبدأ من جديد , ذلك كان سيكون موقفًا سياسيًا جريئًا، حتى لو اختلفنا معه , أما أن تبدأ المراجعة من «رؤية وطنية» جديدة دون مراجعة التجربة التي سبقتها، فإن الأمر يبدو أقرب إلى إعادة تدوير الخطاب السياسي لا إعادة بناء الفكرة السياسية , الحرب لا تمنح أحدًا صك البراءة , الحرب الحالية صنعت فراغًا هائلًا في المجال السياسي السوداني. وفي مثل هذه اللحظات تظهر قوى كثيرة تحاول إعادة تقديم نفسها باعتبارها صاحبة الحل , وهذا أمر طبيعي في السياسة.
لكن الحرب لا تمحو الذاكرة , كما أن انهيار الدولة لا يعني أن كل القوى أصبحت متساوية في سجلها التاريخي , هناك فرق بين من يريد المشاركة في بناء المستقبل، وبين من يريد استثمار انهيار الحاضر لاستعادة نفوذه القديم , ولذلك فإن أي عملية سياسية سودانية جادة ينبغي أن تضع معيارًا واضحًا – لا عودة إلى الماضي باسم إنقاذ الدولة، ولا حصانة سياسية لأحد باسم ضرورات المرحلة , المطلوب ليس إقصاء الأفراد بسبب انتماءاتهم السابقة، وإنما منع إعادة إنتاج منظومة الاستبداد داخل الدولة الجديدة
خفافيش الظلام لا تخاف من الليل… بل من الضوء
ربما تكون أفضل طريقة لفهم عودة هذا الخطاب هي النظر إليه باعتباره محاولة للخروج من الظل السياسي الذي أعقب سقوط النظام , فالخفافيش لا تحتاج إلى الظلام لأنها قوية، وإنما لأنها لا تستطيع العيش طويلًا في الضوء , والضوء هنا هو الذاكرة , أن يتذكر السودانيون كيف بدأت الحكاية , أن يتذكروا كيف اختفت السياسة من الشارع , أن يتذكروا كيف تحولت الدولة إلى جهاز سياسي , أن يتذكروا الحروب والانقسامات والأزمات الاقتصادية , وأن يتذكروا، قبل كل شيء، أن الديمقراطية التي يتحدث عنها الجميع اليوم لم تكن يومًا ترفًا سياسيًا، بل كانت الضحية الأولى للانقلاب الذي فتح الباب أمام ثلاثة عقود من الحكم الشمولي
السودان لا يحتاج إلى إعادة تدوير الجثث السياسية
ليس المطلوب من السودانيين أن يعيشوا أسرى للماضي، ولكن المطلوب ألا يسمحوا للماضي بأن يعود متخفيًا في ثياب المستقبل , وإذا كان المؤتمر الوطني يريد العودة إلى المجال السياسي، فإن الطريق لا يبدأ بالبيانات والشعارات، وإنما بمراجعة نقدية شجاعة لتجربته، والاعتراف بمسؤوليته السياسية، واحترام حق السودانيين في المساءلة والعدالة، وقبول دولة لا يحتكرها حزب ولا مؤسسة عسكرية ولا جماعة أيديولوجية , السودان اليوم لا يحتاج إلى حزب يعيد تعريف نفسه , إنه يحتاج إلى دولة تعيد تعريف علاقتها بالمواطن , ولا يحتاج إلى (إنقاذ) جديد , بل يحتاج إلى الخروج النهائي من عقلية الإنقاذ نفسها – فالبلاد التي دفعت ثمن الاستبداد والحرب والانقسام لا يمكن أن تقبل أن تتحول ذاكرتها إلى ممحاة , وإذا كان للمؤتمر الوطني أن يقدم نفسه من جديد، فليبدأ من السؤال الذي لا تستطيع أي وثيقة سياسية أن تهرب منه- ماذا فعلتم بالسودان حين كانت السلطة بين أيديكم؟ , بعد الإجابة عن هذا السؤال فقط يمكن أن يبدأ الحديث عن المستقبل , أما إعادة تدوير الماضي في عبوة جديدة، فلن تصنع وطنًا جديدًا , السودان لا يحتاج إلى خفافيش جديدة تبحث عن ظلام جديد؛ بل يحتاج إلى شمس سياسية لا يستطيع أحد أن يحجبها.
