حوار الواثق كمير.. أسئلة كثيرة بلا إجابات أم محاولة لتسويق حوار السلطة؟

مهدي داود الخليفة يكتب ..

كتب الدكتور الواثق كمير مقالاً مطولاً حول الدعوة إلى «حوار سوداني سوداني» داخل البلاد، وطرح فيه عدداً كبيراً من الأسئلة المشروعة حول طبيعة الحوار، وأهدافه، وضماناته، ومن يشارك فيه، وعلاقته بوقف الحرب، واستقلاله عن سلطة الأمر الواقع. غير أن المفارقة الأساسية في المقال أنه، رغم كثرة هذه الأسئلة، ترك أهمها معلّقاً بلا إجابة، ثم انتهى إلى الدفاع عن مبدأ الحوار وشروطه العامة، وكأن مجرد طرح الأسئلة يمكن أن يكون بديلاً عن تحديد الموقف من المبادرة المطروحة فعلياً.

لا خلاف، بالطبع، على أهمية الحوار السوداني، ولا على أن السودان في حاجة إلى حوار وطني جاد يضع حداً للحرب ويفتح الطريق أمام استعادة الدولة والانتقال المدني الديمقراطي. كما لا خلاف على أهمية أن يكون الحوار مستقلاً، واسعاً، آمناً، وغير خاضع لأي طرف من أطراف الحرب.

لكن المشكلة ليست في فكرة الحوار وحدها؛ المشكلة الأساسية هي: من يدعو إليه؟ ومن يختار المشاركين؟ ومن يحدد الأجندة؟ ومن يوفر البيئة السياسية والأمنية لانعقاده؟ ومن يملك القدرة على التأثير في مخرجاته؟

وهنا تحديداً يبدو أن الدكتور الواثق كمير يحاول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، نقل النقاش من السؤال الأصعب إلى السؤال الأسهل.

فهو يكرر في مقاله أن «الجهة» التي طرحت الفكرة ليست هي المهمة، وأن الأهم هو «الفكرة نفسها». ويكرر ضرورة عدم تصنيف الناس، وضرورة الاهتمام بالمضمون لا بالجهة التي تقف وراءه.

وهذه تبدو، للوهلة الأولى، مقولة عقلانية ومقبولة. لكن هل يمكن فعلاً فصل الفكرة عن الجهة التي تطرحها، خصوصاً في الحالة السودانية الراهنة؟

الفكرة مهمة، نعم، ولكنها الجانب الأسهل في أي عملية سياسية.

فمن السهل أن نكتب وثيقة جميلة عن الحوار، وأن نتحدث عن الشمول والاستقلال والعدالة والسلام، وأن نضع عشرات المبادئ التي لا يختلف عليها اثنان. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما ننتقل من الورق إلى الواقع: من يجلس حول الطاولة؟ من يملك حق دعوة الآخرين؟ من يستبعد؟ من يختار؟ من يمول؟ أين ينعقد الحوار؟ ومن يوفر الحماية للمشاركين؟ وهل يستطيع معارضو سلطة الأمر الواقع المشاركة بحرية وأمان؟ وهل يمكن لأي مشارك أن ينتقد السلطة أو الجيش أو سياسات الحكومة دون خوف من الاعتقال أو الملاحقة؟

هذه ليست أسئلة هامشية يمكن تجاوزها بالقول إن «الفكرة أهم من الجهة».

بل إن الجهة في بعض الظروف تصبح جزءاً من الفكرة نفسها.

وهنا تبرز خصوصية التجربة السودانية، ولا سيما تجربة الإنقاذ التي برعت، على مدى ثلاثة عقود، في صناعة الواجهات السياسية والمدنية، واستنساخ المؤتمرات والكيانات، وشراء الولاءات، وتقديم أشخاص وكيانات باعتبارهم ممثلين للمجتمع أو للقوى السياسية، بينما كانت السلطة هي التي تحدد من يتحدث، ومن يشارك، ومن يُستبعد.

ولهذا فإن مطالبة السودانيين اليوم بعدم الاهتمام كثيراً بمن يقف وراء الحوار، والتركيز فقط على الفكرة، تبدو في أحسن الأحوال سذاجة سياسية، وفي أسوأ الأحوال محاولة لتجاوز السؤال الأكثر حساسية.

لقد عانى السودانيون من «الحوار» الذي تكون نتائجه معروفة قبل أن يبدأ، ومن المؤتمرات التي يتم اختيار المشاركين فيها بعناية، ومن الواجهات التي تمنح العملية السياسية شكلاً مدنياً بينما تكون السلطة هي صاحبة القرار الحقيقي.

فكيف يُطلب من السودانيين، بعد كل هذه التجارب، أن يطمئنوا إلى حوار جديد لمجرد أن القائمين عليه يتحدثون عن الاستقلال والشمول وعدم الإقصاء؟

إن الحديث عن عدم تكرار تجربة «وثبة» جديدة لا يكفي وحده. فالسؤال ليس هل نريد «وثبة» أخرى أم لا، وإنما: ما الآليات العملية التي تمنع إنتاجها؟

أما أن نقول للسودانيين: لا تقلقوا، اهتموا بالفكرة ولا تهتموا بالجهة، ثم نطلب منهم أن يثقوا بأن المشاركين سيكونون مستقلين، وأن الحوار لن يكون واجهة سياسية، وأن السلطة لن تتحكم في مخرجاته، فهذا يذكرنا بالمثل الذي يقول: «ألقاه في اليم وقال له: إياك أن تبتل بالماء!»

لا يمكن أن نطلب من السودانيين أن يثقوا في النوايا، بينما لا نضع آليات واضحة للتحقق من تلك النوايا.

والأغرب أن المقال نفسه يعترف بكل المخاوف التي تجعل «الجهة» والمشاركين أمراً بالغ الأهمية. فهو يتحدث عن خطر أن يتحول الحوار إلى غطاء لسلطة الأمر الواقع، أو إلى عملية شكلية، أو إلى إعادة إنتاج قوى بعينها، أو إلى وسيلة للإفلات من العقاب.

لكن إذا كان الكاتب يدرك كل هذه المخاطر، فلماذا يقلل في الوقت نفسه من أهمية السؤال: من يقف وراء الحوار ومن يختار المشاركين فيه؟

هنا يقع التناقض الأساسي في المقال.

فإذا كان الحوار مستقلاً بالفعل، فمن حق السودانيين أن يعرفوا كيف ستُضمن استقلاليته. وإذا كان شاملاً، فمن حقهم أن يعرفوا من سيحدد معيار الشمول ومن سيضع قائمة المشاركين. وإذا كان الحوار سودانياً، فمن حقهم أن يعرفوا هل هو حوار تملكه القوى السودانية أم مبادرة تملك السلطة مفاتيحها الأساسية؟

والقول بعدم تصنيف الناس يحتاج أيضاً إلى قدر من الواقعية.

صحيح أن التصنيف المسبق للأشخاص والقوى السياسية ليس منهجاً سليماً، وصحيح أن الاتهام يجب ألا يحل محل الحوار. لكن هناك فرقاً كبيراً بين التصنيف السياسي التعسفي وبين التدقيق في مواقف القوى والأفراد وسجلهم السياسي.

لا يمكن أن نقول إن كل المشاركين متساوون لمجرد أنهم يجلسون حول الطاولة نفسها. هناك من وقف ضد الحرب، وهناك من أيدها، وهناك من ارتبط بأحد طرفيها، وهناك من شارك في السلطة، وهناك من عارضها، وهناك من دفع ثمناً سياسياً أو شخصياً لموقفه من الحرب.

هذه ليست «تصنيفات»؛ هذه حقائق سياسية يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند بناء أي عملية حوار.

بل إن العدالة في المشاركة لا تعني بالضرورة مساواة جميع الأطراف في الوزن السياسي، وإنما تعني وضع معايير واضحة وشفافة للمشاركة، تنطبق على الجميع.

وإذا كان الدكتور الواثق كمير يدعو إلى حوار مستقل، فلماذا لا يبدأ بتقديم الإجابات العملية عن الأسئلة التي طرحها هو نفسه؟

من يختار المشاركين؟

ما معايير الاختيار؟

هل تشمل هذه المعايير الأحزاب السياسية، ولجان المقاومة، والنقابات، والنساء، والشباب، ومنظمات المجتمع المدني، والنازحين واللاجئين، والأقاليم، والقوى التي رفضت الحرب من طرفيها؟

من يضمن ألا تتحول «المشاركة الواسعة» إلى مجرد أسماء مختارة بعناية؟

من يمول الحوار؟

من يوفر أمنه؟

من يحدد أجندته؟

من يملك حق تعديلها؟

هل توجد آلية مستقلة للتحقق من استقلال المشاركين؟

وهل يستطيع أي مشارك أن يرفض مخرجات الحوار أو ينتقد الجهة المنظمة دون أن يتعرض لضغوط أو ملاحقة؟

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون في قلب النقاش.

أما تكرار الحديث عن «الحوار الجاد المستقل» من دون الإجابة عن هذه الأسئلة، فلا يجعل الحوار جاداً ولا مستقلاً.

وأعتقد أن أخطر ما في محاولة تسويق الحوار بهذه الطريقة هو أنها قد تجعل الحوار نفسه بديلاً عن وقف الحرب بدلاً من أن يكون وسيلة للوصول إليه.

السودان لا يحتاج إلى حوار جديد لتبادل الخطب والبيانات، ولا إلى مؤتمر يضيف جسماً مدنياً جديداً إلى عشرات الأجسام الموجودة، ولا إلى عملية سياسية تبدأ من الاعتراف بالأمر الواقع الذي صنعته الحرب.

السودان يحتاج أولاً إلى وقف الحرب، وحماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، ثم عملية سياسية سودانية حقيقية تعيد بناء الدولة على أساس مدني ديمقراطي.

ومن هنا فإن الشك في أي حوار لا يعني رفض الحوار. بل قد يكون الشك، في هذه المرحلة، شرطاً من شروط الحوار الجاد.

فالذي يريد حواراً جدياً لا ينبغي أن يغضب من الأسئلة، بل ينبغي أن يجيب عنها.

والذي يريد حواراً مستقلاً لا ينبغي أن يطلب من الآخرين أن يثقوا فيه، بل عليه أن يقدم لهم آليات تجعل الثقة ممكنة.

والذي يريد حواراً شاملاً لا يقول فقط «لا تصنفوا الناس»، وإنما يقدم معايير شفافة للمشاركة تضمن ألا تتحول عبارة «عدم الإقصاء» إلى وسيلة لإعادة تدوير الواجهات القديمة.

لذلك، فإنني أرى أن مقال الدكتور الواثق كمير، رغم أهمية كثير من الأسئلة التي طرحها، لم يذهب إلى نهاياتها المنطقية. بل إن كثرة الأسئلة التي تركها بلا إجابات تفتح الباب أمام قراءة مختلفة: هل يحاول المقال، بصورة غير مباشرة، التمهيد والترويج لحوار يدعو إليه الفريق عبد الفتاح البرهان، من خلال إزالة التحفظات السياسية والأخلاقية حوله، بدلاً من الإجابة عنها؟

لا أقول إن هذه هي نية الكاتب، ولا أملك دليلاً على ذلك، لكن السياسة لا تُقرأ بالنوايا وحدها؛ تُقرأ أيضاً بالنتائج وبما تقوله الرسالة في سياقها السياسي.

وفي سياق السودان اليوم، فإن تحويل النقاش من «من يملك الحوار؟» إلى «هل الحوار فكرة جيدة؟» يخدم، عملياً، الجهة التي تريد إطلاق الحوار من دون أن تتحمل أولاً عبء الإجابة عن سؤال الملكية والاستقلال والمشاركة.

ولذلك فإن المطلوب ليس رفض الحوار، وإنما رفض الحوار المجهول الهوية، والمجهول المعايير، والمجهول المشاركين، والمجهول الضمانات.

نحن مع الحوار السوداني الجاد، ولكننا نريد أن نعرف: حوار من؟ ولمن؟ ومن يختار أطرافه؟ ومن يضمن استقلاله؟ وما علاقته بوقف الحرب؟

هذه ليست أسئلة لتعطيل الحوار.

هذه هي الأسئلة التي تجعل الحوار حواراً، لا واجهة سياسية جديدة.

وإذا كان الدكتور الواثق كمير يريد بالفعل فتح نقاش جاد ومستقل حول مستقبل السودان، فإن الخطوة التالية ينبغي ألا تكون المزيد من الأسئلة، وإنما تقديم إجابات واضحة ومحددة عنها.

فالسودانيون لا يرفضون الحوار.

لكنهم، بعد ثلاثين عاماً من تجربة الإنقاذ، وبعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، لم يعد من حق أحد أن يطلب منهم الثقة في الحوار قبل أن يريهم من يجلس إلى الطاولة، ومن اختاره، ومن يضمنه، ومن يملك قراره، وما الذي سيحدث إذا اختلف المشاركون مع السلطة القائمة.

فالسلام لا يُبنى بحسن النوايا وحدها، والديمقراطية لا تُصنع بالواجهات، والحوار الحقيقي لا يبدأ من الدعوة إلى الطاولة؛ بل يبدأ من ضمان أن الطاولة نفسها ليست مصممة مسبقاً لخدمة طرف بعينه.