قراءة نفسية في الحرب السودانية(1)
أدم زكريا يكتب..
عضو جمعية مستشاري الصحة النفسية في ولاية واشنطن
المقال الأول
تتناول سلسلة مقالات قراءة نفسية في الحرب السودانية محاولة الإجابة على سؤال “لماذا يؤيد السودانيون استمرار الحرب رغم معاناتهم”؟ و”ما هي العمليات النفسية التي تدفعهم إلى اعتبار استمرار الحرب سبيلاً نحو الأمان والعدالة وبقاء الهوية والوطن، حتى عندما تتسبب الحرب نفسها في معاناة هائلة”؟ يفتح هذان السؤالان الباب أمام تحليل عميق محايد من خلال مفاهيم ونظريات مثل نظرية الهوية الاجتماعية، والتنافر المعرفي، والإصابة الأخلاقية، ونظرية إدارة الرعب، والتفكير الموجه، وتبرير النظام، والاستقطاب الجماعي، والصدمة الجماعية، وسيكولوجية الانتقام.
لقد دخلت الحرب السودانية عامها الرابع، ولا تزال القوات المسلحة وقوات الدعم السريع وحلفاؤهما يسعون لتحقيق نصر عسكري، في حين يعاني المدنيون من عنف هائل وعمليات نزوح واسعة. وتُعد الحالة السودانية بالغة الحدة؛ إذ تصف الأمم المتحدة الصراع بأنه أكبر أزمة إنسانية في العالم، حيث يحتاج ما يقرب من 34 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية. وقد وثّق محققون أمميون انتهاكات جسيمة ارتكبتها أطراف متعددة، شملت عمليات القتل والعنف الجنسي والتعذيب وهجمات طالت المدنيين.
قد يعاني السكان معاناة هائلة جراء الحرب الأهلية، ومع ذلك يطورون قناعة نفسية راسخة بضرورة مواصلة الحرب؛ لا سيما عندما يُنظر إلى الحرب باعتبارها صراعاً من أجل البقاء أو الهوية أو الكرامة أو العدالة، وليس مجرد صراع عسكري. فمن الناحية النفسية، لا يُعد هذا الأمر غريباً كما يبدو للوهلة الأولى، رغم أنه قد يكون مزعجاً للغاية لمن ينظر إلى الموقف من منظور إنساني بدلاً من المنظور العسكري. فكلما زادت معاناة الناس جراء الصراع، أصبح من الصعب عليهم نفسياً تقبّل فكرة انتهائه دون أن يحقق الطرف الذي ينتمون إليه النصر.
وثمة توضيح هام ينبغي البدء به وهو أن السودانيين ليسوا كتلة واحدة من حيث النفسية أو التوجهات، وعبارة “دعم الجيش” مثلا قد تحمل دلالات متباينة للغاية. فقد يؤيد شخص ما انتصار القوات المسلحة السودانية على قوات الدعم السريع دون أن يكون مؤيداً للحكم العسكري، بينما قد يؤيد آخر بصدق استمرار الحرب بغض النظر عن التكلفة التي يتحملها المدنيون. وهناك من يعتقد ببساطة أن وقف الحرب الآن سيجعل مجتمعاتهم عرضة للخطر؛ وهذا التمييز مهم.
وثمة فارق جوهري هنا وهو أن دعم هزيمة جماعة مسلحة لا يعني بالضرورة تأييد استمرار الحرب. فقد يعتقد المرء بصدق أن إيقاف قوات الدعم السريع، على سبيل المثال، يتطلب تحقيق نصر عسكري، وقد يؤيد آخرون القوات المسلحة السودانية لاعتبارات تتعلق بالهوية أو الوحدة الوطنية أو الخوف من البديل، أو لأنهم يرون في التفاوض استسلاماً. ويمكن لهذه المواقف النفسية أن تتعايش جنباً إلى جنب مع المعاناة الحقيقية للمدنيين الذين يرددون “بل بس” أي دعوا الجيش يواصل القتال. وثمة آليات نفسية عديدة يمكنها تفسير ذلك ومنها:
أولا: يصبح العدو أكثر أهمية مقارنة بالمعاناة التي تسببها الحرب:
فبمجرد أن ينظر الناس إلى الخصم باعتباره تهديداً وجودياً، يغير العقل طبيعة السؤال من: هل تدمرنا هذه الحرب؟ إلى: ماذا سيحل بنا إذا توقفنا عن القتال؟ وهذا الموقف يمثل حسابات نفسية مختلفة تماماً. فإذا اعتقد المرء أن الهزيمة العسكرية سيؤدي إلى استيلاء العدو على البلاد والذي سيعرّض عائلته للخطر ومن ثم تلاشي هويته أو مجتمعه عندها، يمكن اعتبار المعاناة الهائلة الناجمة عن الحرب بمثابة ثمن للبقاء. ويرتبط هذا ارتباطاً وثيقاً بـ “نظرية إدارة الرعب” والأبحاث المتعلقة بالتهديد الوجودي؛ إذ يمكن للتهديدات المتصورة للوجود المادي أو الثقافي للفرد أن تزيد من ارتباطه بمجموعته ومن عدائيته تجاه الأعداء المفترضين.
ثانيا: الاستقطاب الجماعي:
قبل اندلاع الحرب، قد يحمل الناس آراءً سياسية تتسم بالتنوع والاعتدال. أما بعد سنوات من الصراع، فغالباً ما تصبح الآراء أكثر تطرفاً بكثير فينتقل المرء من “أنا أؤيد الجيش”، إلى “أي شخص يعارض الجيش فهو يساعد العدو”؛ وفي النهاية إلى “لا مجال للتفاوض؛ يجب القضاء على العدو”، وهذا ما يُعرف بـالاستقطاب الجماعي في علم النفس الاجتماعي. وعندما يقتصر تواصل الأفراد في الغالب على من يشاركونهم الرأي مسبقاً سواء كانوا أفراد العائلة، أو أعضاء في مجموعات فيسبوك وواتساب، أو شبكات مجتمعية، أو منظمات للمغتربين فإن آراءهم قد تزداد تطرفاً بمرور الوقت. والظاهرة المثيرة للاهتمام هنا هي أنه كلما طال أمد الصراع، زادت التكلفة النفسية لتغيير الموقف.
نواصل……
