هل السود أقل ذكاءً من بقية الأعراق؟!
آدم زكريا يكتب.
قمت بمشاركة فيديو يظهر فيه ما يعرف في السودان بتسعة طويلة( 9 طويلة) حيث تبين أن أفرادا من الجيش والشرطة منخرطين في هذه العصابة. وصلني استفسار من أحد الأخوة الذين أرسلت لهم الفيديو يسأل هل السود أقل ذكاء من بقية الأعراق، لأن الذين رآهم في الفيديو كلهم من العنصر الأفريقي غير المختلط بأي عرق آخر؟
ولأنني أمضيت سنوات أدرس علم النفس ومنه هذه المسائل دراسة أكاديمية أقول بكل ثقة إنه من الناحية العلمية لا يوجد دليل على أن السود أو أي مجموعة عرقية أخرى يمتلكون مستوى ذكاء أقل بالفطرة أو محددًا جينيًا. بيد أن التفاوتات العالمية في الثروة والتنمية الناتجة عن عوامل تاريخية وبيئية واقتصادية ومؤسسية معقدة قد تحدث سلوكيات اجتماعية متباينة، وليست بسبب القدرات والعوامل البيولوجية. وترفض المنظمات العلمية الكبرى، بما في ذلك جمعية علم النفس الأمريكية، الادعاء القائل بأن الاختلافات في الذكاء بين المجموعات العرقية تعود لأسباب جينية؛ إذ تتأثر درجات اختبارات القدرات المعرفية بشكل كبير بعوامل بيئية مثل توفر تعليم جيد، والتغذية، وصحة الطفل، والاستقرار الاقتصادي. فعندما تتحسن الظروف البيئية، ترتفع درجات الاختبارات بشكل ملحوظ لدى جميع السكان، وهي ظاهرة تُعرف باسم “تأثير فلين” (Flynn Effect والذي سوف أتناوله أسفل المقال).
ويؤكد علماء الوراثة والأنثروبولوجيا أن “العرق” هو تصنيف اجتماعي وسياسي وليس حدًا بيولوجيًا فاصلًا؛ فالتنوع الجيني داخل أي مجموعة عرقية واحدة يفوق بكثير التنوع الموجود بين المجموعات المختلفة.
والسؤال لماذا تواجه الشعوب الأصلية والمناطق النامية الفقر فيضطر البعض إلى الانخراط في أنشطة اجرامية كظاهرة تسعة طويلة( لو استبعدنا الجانب السياسي)؟
لعل من أهم العوامل الإرث الاستعماري حيث نجد في أفريقيا وأجزاء أخرى من الجنوب العالمي، أن الاستعمار التاريخي أدى إلى تفكيك الهياكل السياسية والاقتصادية للسكان الأصليين، واستنزاف مواردهم الطبيعية، وإنشاء مؤسسات استغلالية أعاقت تراكم رأس المال المحلي على المدى الطويل، أو تراكمها في أيدي قلة صفوة كانت تعمل مع المستعمر وظلت أداته بعد خروجه.
كما أن العديد من المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية تواجه أعباءً جسيمة ناجمة عن الأمراض المتوطنة (مثل الملاريا) والعوائق الجغرافية التي تعقد عمليات الإنتاج الزراعي وتطوير البنية التحتية للنقل.
ويضاف إلى ذلك الهياكل الاقتصادية العالمية والتجارة الدولية الحديثة، التي خلقت أعباء الديون غير المتكافئة، ونقص تمويل الخدمات العامة وعوائق هيكلية تُبقي الدول النامية هشة اقتصاديًا، بغض النظر عن السمات الفطرية لسكانها.
وبالعودة إلى موضوع “تأثير فلين” والمرتبط بالمقال، والذي يشير إلى الارتفاع المستمر والسريع في متوسط درجات معدل الذكاء (IQ) حول العالم خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين. ونظرًا لأن المجموعات الجينية لا يمكن أن تتغير بشكل كبير في غضون بضعة عقود فقط، فإن هذا الارتفاع يقدم دليلًا قاطعًا على أن درجات اختبارات الذكاء قابلة للتغيير بدرجة كبيرة وتتأثر بشدة بالظروف البيئية ومنها تحسن التغذية حيث
تساهم التغذية الجيدة سواء قبل الولادة أو خلال مرحلة الطفولة، بشكل مباشر في تعزيز نمو الدماغ. وقد انخفضت معدلات التقزم الناجم عن سوء التغذية عالميًا، مما أدى إلى أدمغة أكبر حجمًا وقدرات معرفية أعلى.
كما أن توسع التعليم وسنوات الدراسة النظامية الأطول يعمل على تدريب العقول على التفكير التجريدي؛ إذ تُعلّم المدارس الأطفال تصنيف المعلومات، واستخدام المنطق العلمي، وحل المشكلات النظرية (الاصطناعية)، وهي مهارات تطابق تمامًا تلك التي تقيسها اختبارات الذكاء.
بالإضافة إلى أن البيئات الحديثة تطلب تفاعلًا مستمرًا مع شاشات العرض المعقدة، وأجهزة الكمبيوتر، والواجهات التجريدية؛ ويعمل هذا التحفيز الذهني اليومي بمثابة “تمارين معرفية” للعقل وفقدانه أو عدم توفره قد يجعل الذهن خاملا. كما أننا نجد أن حجم الأسرة له تأثير كبير، حيث يمكن للوالدين الذين لديهم عدد أقل من الأطفال تخصيص المزيد من الموارد المالية والوقت والتفاعل اللغوي لكل طفل على حدة مما يحفز ذهنه ويطلق مقدراته العقلية.
وفي دول العالم الثالث ومنها السودان تستنزف عدوى الطفولة المزمنة الطاقة الموجهة لنمو الدماغ؛ لذا تتيح برامج التطعيم الشامل وتوفر المياه النظيفة والمضادات الحيوية للأطفال تحقيق أقصى استفادة من قدراتهم الإدراكية.
ولتحسين جودة الحياة والنتائج المعرفية في المجتمعات الفقيرة، يمكن للحكومات والمنظمات غير الحكومية النظر إلى العوامل البيئية المسببة لـ “تأثير فلين” (Flynn Effect) بشكل مدروس وتأثيرها على المجتمعات ومعالجتها. إن استهداف هذه الركائز المحددة يحقق فائدة تراكمية ويرفع مستويات المعيشة الفورية بالتزامن مع بناء قدرات معرفية واقتصادية طويلة الأمد. من خلال هذه المحاور الأربعة التالية حسبما لمستها في الولايات المتحدة وفي غيرها من الدول المتقدمة ويمكن تطبيقها في غيرها، اقترح ما يلي:
أولا: تحسين التغذية والصحة في مرحلة الطفولة:
(أ): برامج الوجبات المدرسية المجانية: توفير وجبات إفطار وغداء غنية بالعناصر الغذائية للقضاء على التقزم ونقص المغذيات الدقيقة لدى الأطفال.
(ب): توفير لرعاية الصحية الشاملة: تطبيق فحوصات دورية للأطفال، وتوفير التطعيمات المجانية، وإنشاء بنية تحتية للمياه النظيفة للحد من عبء الأمراض المعدية المزمنة التي تستنزف طاقة الطفل النمائية.
(ت): دعم ما قبل الولادة: تزويد الأمهات الحوامل بالفيتامينات الأساسية (مثل حمض الفوليك والحديد) والتثقيف الصحي لضمان النمو الأمثل لدماغ الجنين.
ثانيا: تحديث التعليم وتوسيع نطاقه:
(أ): مناهج حل المشكلات المجردة: تحويل التعليم المبكر من الاعتماد على الحفظ والتلقين إلى التركيز على التفكير النقدي، وألغاز المنطق.
(ب): تعليم الطفولة المبكرة: تمويل برامج شاملة لمرحلة ما قبل المدرسة ودور الرعاية النهارية لتوفير بيئات غنية لغوياً ومحفزة خلال الفترات الحرجة لمرونة الدماغ وقابليته للنمو.
(ت): محو أمية الكبار والتدريب المهني: تقديم تعليم مستمر للآباء والأمهات، مما يحسن بشكل مباشر البيئة اللغوية والمعرفية داخل المنزل.
ثالثا: ردم الفجوة الرقمية والتكنولوجية:
(أ): مراكز التكنولوجيا المجتمعية: إنشاء نقاط وصول عامة للإنترنت ومختبرات حاسوب في الأحياء منخفضة الدخل لتعزيز الألفة مع الواجهات الرقمية المجردة.
(ب): أدوات التعلم التفاعلي: توزيع أجهزة لوحية تعليمية منخفضة التكلفة تتضمن ألعاباً منطقية وألغازاً بصرية مكانية لتشجيع النشاط الذهني الفعال.
(ت): الخدمات المدعومة: ضمان توفر الكهرباء وخدمات الإنترنت بشكل موثوق وبأسعار معقولة، حيث يعتمد التحفيز المعرفي الحديث بشكل كبير على البنية التحتية الرقمية.
رابعا: دعم الاستقرار الأسري والاجتماعي:
( أ): إجازات الوالدين ودعم رعاية الأطفال: منح الآباء والأمهات من ذوي الدخل المنخفض الأمان المالي والوقت اللازمين للانخراط في تفاعلات لفظية عالية الجودة مع أطفالهم.
(ب): المنح الصغيرة ودعم الدخل: تخفيف الضغوط المالية المزمنة عن الأسر، مما يتيح للوالدين مساحة ذهنية للتركيز على الاستثمارات التنموية طويلة الأمد لأسرهم.
وتظل هذه الاقتراحات حبر على ورق ما لم تتوقف الحرب. لا للحرب، نعم للسلام.
