اشترِ لوحاً شمسياً… و ادفع ثمن الشمس
بروفيسور سيف الدين عبد الرحمن يكتب..
في الدول التي تنظر إلى الطاقة النظيفة باعتبارها استثماراً في المستقبل، عندما يتجه المواطن إلى الشمس لا تستقبله الدولة بالجمارك و الضرائب و وضع المتاريس أمام، بل بالحوافز و التسهيلات. فالمواطن الذي ينتج جزءاً من احتياجاته من الكهرباء يخفف الضغط عن الشبكة، و يقلل استهلاك الوقود، و يساهم في خفض إنبعاثات الغازات الدفيئة. في السودان، يبدو أن الفلسفة مختلفة تماماً؛ الكهرباء غائبة، لكن الجباية حاضرة!
دمرت الحرب جزءاً كبيراً من البنية التحتية للكهرباء، و انقطعت الخدمة أو تراجعت في مناطق واسعة. فما كان أمام المواطن إلا أن يبحث عن حل. باع ما يستطيع، استدان، و اقتطع من ميزانية أسرته، و اشترى لوحاً شمسياً و بطارية و إنفيرتر، لا ليصبح منتجاً للطاقة أو رجل أعمال أخضر، و إنما لكي يشغل مصباحاً و ثلاجة و مروحة و يشحن هاتفه.
و هنا، في اللحظة التي اخترع فيها المواطن حلاً لمشكلة عجزت الدولة عن حلها، استيقظت الدولة! ليس لتقول له شكراً. بل لتقول؛ أين الجمارك؟ أين الضرائب؟ أين الرسوم؟ و أين الجبايات؟ و كأن المواطن ارتكب مخالفة لأنه حاول أن يرى النور!
في العالم المتحضر، الحكومات تتنافس على تشجيع الطاقة الشمسية. ففي الهند، أطلقت الحكومة برنامج PM Surya Ghar بهدف تركيب الطاقة الشمسية على أسطح عشرة ملايين منزل، مع دعم مالي يصل إلى 60% من تكلفة أنظمة بقدرة 2 كيلوواط، و 40% من التكلفة الإضافية حتى 3 كيلوواط، إلى جانب قروض ميسرة بلا ضمانات. و بحلول يوليو 2026 استفادت نحو 4.8 ملايين أسرة من البرنامج.
و في الولايات المتحدة، استخدمت الحكومة أداة ضريبية لتقليل تكلفة الاستثمار في الطاقة الشمسية؛ فقد وفر نظام الائتمان الضريبي للطاقة الشمسية حافزاً يصل إلى 30% من تكلفة النظام في إطار السياسة التي كانت سارية للمشروعات المؤهلة خلال الفترة المحددة. كما شمل الحافز بعض أنظمة تخزين الطاقة.
أما ألمانيا، فقد بنت لعقود منظومة تشجع إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة، بما في ذلك أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية، من خلال آليات تعويض و دعم للكهرباء المتجددة و ربط المنتج الصغير بمنظومة الكهرباء. و في 2026 أصبح بإمكان المواطنين أيضاً مشاركة الطاقة الشمسية المنتجة محلياً مع الجيران في إطار ترتيبات تعرف ب Energy Sharing.
و حتى جنوب أفريقيا، القريبة منا جغرافياً، قدمت حافزاً ضريبياً للأفراد الذين يستثمرون في الألواح الشمسية المنزلية، بلغ 25% من تكلفة الألواح المؤهلة، بحد أقصى 15 ألف راند، ضمن برنامج مؤقت شجع الأسر على الاستثمار في توليد الكهرباء النظيفة.
هذه الدول قد تختلف في حجم الدعم و طريقته، لكنها تتفق على فكرة بسيطة؛ و هي إذا ساعد المواطن في حل أزمة الطاقة، ساعدته الدولة. أما في السودان، إذا عجزت الدولة عن توفير الكهرباء، فعلى المواطن أن يدفع. و إذا حاول المواطن توفيرها بنفسه، فعليه أن يدفع أيضاً!
هنا تصبح الطاقة الشمسية جريمة اقتصادية من نوع خاص؛ المواطن لا يطلب دعماً من الدولة، و لا يطلب منها محطة توليد، و لا يطالبها بمد خطوط جديدة إلى منزله. هو فقط يريد أن يستفيد من الشمس التي أكرم الله بها السودان بلا فاتورة.
لكن يبدو أن الشمس نفسها تحتاج إلى تصريح استيراد!
إنها مدرسة اقتصادية سودانية فريدة:
عندما تنقطع الكهرباء، اصبر.
و عندما تشتري مولداً، ادفع.
و عندما تشتري وقوداً، ادفع.
و عندما تشتري منظومة شمسية، ادفع.
و إذا حاولت أن توفر الكهرباء لنفسك… ادفع أكثر!
كأن المواطن أصبح مشروعاً متحركاً للجباية.
و الحقيقة أن السودان، بدلاً من وضع المتاريس أمام الطاقة الشمسية، كان ينبغي أن يجعلها جزءاً من خطة وطنية للخروج من أزمة الكهرباء بعد الحرب؛ إعفاء معدات الطاقة الشمسية و البطاريات و الإنفيرترات من الرسوم أو تخفيضها، تسهيل الاستيراد، تمويل الأسر و المزارعين، تشجيع الشركات المحلية على التجميع و الصيانة، و توفير قروض ميسرة للمستشفيات و المدارس والمرافق الحيوية.
فالسودان لا تنقصه الشمس. ما ينقصه هو أن تترك الدولة الشمس تعمل!
بل إن المواطن السوداني، في ظل هذه الظروف، قام بما يفترض أن تقوم به الدولة و المجتمع الدولي معاً؛ واجه أزمة الطاقة، و تحمل كلفة الحل من جيبه، و اختار مصدراً نظيفاً و متجدداً، و خفف الضغط على الشبكة، و خفض اعتماده على الوقود، و حافظ على الحد الأدنى من الحياة وسط حرب مدمرة.
و لهذا، إذا كان العالم يمنح الجوائز لمن يقدمون حلولاً مبتكرة لأزمة المناخ و الطاقة، فإنني أقترح جائزة أكثر عدلاً: جائزة نوبل للمناخ للمواطن السوداني!
ليس لأنه اخترع الشمس، و إنما لأنه، وسط الحرب و الظلام و الجبايات، اختار الشمس بدلاً من الاستسلام للظلام.
أما سلطة الأمر الواقع، فربما تستحق جائزة أخرى: جائزة أفضل محاولة في العالم لفرض الجمارك على أشعة الشمس!
