أسباب الحروب الأهلية في السودان.. الجذور التاريخية ودروس السلام (7 -17)

إبراهيم البدوي

أكاديمي وخبير اقتصادي سوداني

مقدمة

على مدى أكثر من خمسةٍ وعشرين عاماً، كتبتُ نحو خمسة عشر بحثاً أكاديمياً تناولت قضايا الحرب والسلام، وأسبابهما، وآثارهما الاقتصادية والسياسية، نُشر معظمها في مجلات علمية محكَّمة أو كفصول في كتب أكاديمية محكَّمة. وانطلاقاً من هذه الدراسات، أعددتُ سبعة عشر مقالاً، صغتها بأسلوب أرجو أن يكون ميسوراً للقارئ العام، دون الإخلال بما تستند إليه من معرفة علمية وشواهد تجريبية. وستُنشر هذه المقالات، بإذن الله، تباعاً خلال الأسابيع القليلة المقبلة في عدد من وسائط الإعلام السودانية، مساهمةً متواضعةً في إثراء الحوار الوطني القائم على المعرفة والأدلة، والمستفيد من تجارب الأمم الأخرى ومن التاريخ السوداني نفسه في معالجة هذه القضايا المصيرية. وتدور هذه المقالات حول أربعة أسئلة رئيسة:

أولاً، ما هى أسباب الحروب الأهلية، وما أبرز آثارها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية؟؛

ثانياً، كيف تنتهي الحروب الأهلية، وكيف يبدأ بناء السلام؟؛

ثالثاً، كيف تؤدي الحروب الأهلية إلى تدمير الاقتصادات وإضعاف مؤسسات الدولة وتدهور الحوكمة؟؛

رابعاً، ما هى المتطلبات الأساسية لتحقيق إعادة إعمار اقتصادية وسياسية ناجحة ومستدامة بعد انتهاء النزاعات؟

وفي ختام كل مجموعة من هذه المقالات، سأحاول استخلاص أهم الدروس المستفادة بالنسبة للسودان، وربطها بواقع الحرب الراهنة، أملاً في أن تسهم في إثراء النقاش العام حول سبل إنهاء الحرب وبناء سلامٍ عادلٍ ودائم، ووضع البلاد على مسار التعافي والتنمية المستدامة.

ابراهيم البدوى عبد الساتر

كيف تنتهي الحرب الأهلية ويبدأ بناء السلام؟ (المقال 7 من 17)

لماذا يحتاج السودان إلى عملية أممية متعددة الأبعاد لبناء السلام، وليس إلى اتفاق آخر لتقاسم السلطة

كما درجتُ في مساهماتي السابقة، أناقش في هذا المقال آثار التدخلات المنحازة وحدود المبادرات الإقليمية، وأدافع عن عملية أممية متعددة الأبعاد تعمل تحت سقف مشروع وطني سوداني. وتكتسب هذه الدعوة راهنيةً خاصة في ضوء التطورات الأخيرة في مسار الوساطة الخارجية. فبحسب ما أوردته صحيفة “الراكوبة” الإلكترونية في عددها الصادر في 28 يوليو 2026، رفض تحالفا “صمود” و”قوى إعلان المبادئ” دعوة الآلية الخماسية إلى اجتماعات تشاورية في أديس أبابا، “حيث اعتراضاً على سعي الآلية إلى تصميم العملية السياسية بصورة منفردة، ومن دون تشاور حقيقي مع القوى السودانية. وأشارت الصحيفة إلى أن التحالفين أبديا مخاوفهما من إعادة إدخال عناصر المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، ومنح واجهات سياسية أنشأتها قيادة الجيش مساحةً تمكّنها من السيطرة على العملية وتوجيهها نحو خدمة مشروع الحرب بدلاً من السلام. كما نُقل عنهما أن بعض الأطراف الإقليمية داخل الآلية الخماسية، ولا سيما في الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، تفتقر إلى الحياد اللازم، وأن أي عملية تُصاغ تحت تأثير هذه الانحيازات قد تفضي إلى شرعنة الحرب والانقلاب بدلاً من تأسيس سلام مستدام. وتضم الآلية الخماسية الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية للتنمية “إيغاد” وجامعة الدول العربية.”

وفي هذا السياق، أؤيد موقف تحالفي “صمود” و”قوى إعلان المبادئ” الرافض للمسارات المفروضة من الخارج ولإعادة تدوير نظام الإنقاذ وواجهات الحرب والانقلاب. وأدعوهما، وسائر القوى المدنية الديمقراطية، إلى تطوير هذا الرفض إلى بديل وطني موجب: المطالبة العلنية بعملية أممية محايدة متعددة الأبعاد، تقودها الأمم المتحدة وتعمل تحت سقف مشروع وطني سوداني جامع تتوافق عليه القوى المدنية والمجتمعية. وبذلك يتحول الاعتراض على هندسة الخارج للعملية السياسية إلى مبادرة مدنية فاعلة تقود السلام وتحمي الملكية السودانية له.

لقد بات واضحاً أن المبادرات الإقليمية الرامية إلى وقف الحرب وبناء السلام، بصيغتها الراهنة، لن تُفضي إلى إحداث قطيعة واضحة مع عقود من العسكرة العشوائية، والاستيلاء على الدولة، والإضعاف الممنهج للمؤسسات المدنية والعسكرية المهنية على حدٍّ سواء طوال عهد الإنقاذ البائد. كما أن هذه المقاربة لا تبدو قادرة على استيعاب تعقيدات هذه الحرب غير المسبوقة، مقارنةً بالحروب الأهلية السابقة في السودان، بل حتى بالحروب الأهلية في بلدان أخرى. فقد بدأت هذه الحرب صراعاً عسكرياً فصائلياً بالغ العنف والتدمير، أشبه بحرب بين دولتين داخل حدود دولة واحدة، ثم تحولت تدريجياً إلى حرب أهلية شاملة ذات أبعاد إثنية وجهوية متزايدة؛ إذ تجاوزت التعبئة المسلحة والاستقطابات المحلية طرفيها الأصليين، وانخرطت فيها حركات مسلحة وميليشيات ومجتمعات محلية على أسس قبلية وإثنية وجهوية. وفوق ذلك، أصبحت الحرب صراعاً بالوكالة تدعمه أطراف خارجية متنافسة، أسهم دعمها في توسيع القدرات العسكرية للأطراف المتحاربة، وحدَّ من حاجتها إلى التفاوض أو رغبتها فيه.

وتفضي هذه الحقائق إلى نتيجة حتمية: إن محاولة إنهاء الحرب بالمفاوضات وحدها، وفي إطار هذه المبادرات بصيغتها الراهنة – حتى إن أفضت في نهاية المطاف إلى وقف إطلاق النار – لن تكون كافية لضمان سلام دائم. كما أن إبرام اتفاق جديد لتقاسم السلطة، لا يتجاوز إعادة توزيع المناصب السياسية بين النخب المسلحة، لن يعالج البُنى المؤسسية وشبكات المصالح التي أنتجت الحرب وأعادت إنتاجها.

عليه، يحتاج السودان إلى مسار أكثر طموحاً: عملية سلام متعددة الأبعاد تقودها الأمم المتحدة تحت سقف مشروع وطنى يرتضيه غالبية أهل السودان، وتُنفَّذ بالشراكة مع المنظمات الإقليمية ذات الصلة، للمساعدة في إنفاذ السلام، وحماية المدنيين، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، ودعم انتقال مدني ديمقراطي حقيقي. ولا يستند هذا الاستنتاج إلى تفضيل سياسي مجرد، بل ينبع من الأدلة التي عرضتها الأدبيات الدولية في مجال بناء السلام، بما فى ذلك ورقتى حول “مستقبل السودان بين الصراع الكارثي والنهضة السلمية” (وسيرد التوثيق الكامل للورقة في نهاية هذا المقال).

لقد استنفد السودان بالفعل نموذج تقاسم السلطة:

منذ بداية حروبه الأهلية الطويلة، اتبعت مبادرات السلام المتعاقبة، في الغالب، الصيغة نفسها: تركيز المفاوضات على الأطراف المسلحة، وتحويل السلام إلى محاصصة في المناصب والثروة، وإبقاء النخب العسكرية المستفيد الأكبر من التسويات، مع تهميش المجتمع المدني والقوى السياسية والمدنية والمجتمعات المتأثرة بالحرب. ويكفي سجل اتفاقات تقاسم السلطة في السودان دليلاً على استنفاد هذا النموذج. فلم ينجح أيٌّ منها في إرساء حكم ديمقراطي مستدام؛ إذ أوقف بعضها العنف مؤقتاً قبل تجدده، بينما عزز بعضها الآخر الهيمنة السياسية للتنظيمات المسلحة على حساب المؤسسات المدنية. وفي بعض الحالات، أسهمت هذه الاتفاقات في نتائج مصيرية، من بينها انفصال جنوب السودان، أو في تهيئة الظروف السياسية والأمنية التي انتهت إلى الحرب الراهنة.

ويمثل اتفاق جوبا للسلام لعام 2020 التعبير الأوضح عن هذا الخلل. فلم يكن عملية سلام واسعة القاعدة تُشرك مجتمعات مناطق النزاعات وقواها المدنية، بل أتاح صفقة جانبية مضادة للثورة بين قيادة المكوّن العسكري وبعض الحركات المسلحة الموقعة عليه. وقد أفضى إلى حل الحكومة التكنوقراطية وإقامة حكومة محاصصة، ثم انحازت أكثر الحركات نفوذاً إلى المكوّن العسكري في مواجهة شركائه المدنيين، ولا سيما إزاء إصلاح القطاع الأمني وتفكيك الإمبراطوريات الاقتصادية المرتبطة بالنظام السابق والأجهزة العسكرية والأمنية. ولم تكتفِ تلك الحركات بتأييد انقلاب 25 أكتوبر 2021 الذي نفذته قيادتا الجيش والدعم السريع وأسقط المسار الدستوري للانتقال الديمقراطي، بل شاركت أيضاً في نظام ما بعد الانقلاب. وبذلك عزز اتفاق جوبا هيمنة الجيش والميليشيات، وأسهم في تأسيس الانقلاب على الثورة وتهيئة البيئة التي انفجرت فيها الحرب الحالية.

ولا يمكن فصل هذا الفشل عن الاقتصاد السياسي للهيمنة العسكرية. فقد راكمت المؤسسات العسكرية والأمنية، على مدى عقود، مصالح تجارية واسعة تتجاوز وظائفها الدفاعية المشروعة، وتشابكت هذه المصالح مع السلطة السياسية، فأصبح للقادة العسكريين نفوذ فعلي مستقل عن أي ترتيبات دستورية. ولهذا كانت الحكومة الإنتقالية المدنية بعد ثورة ديسمبر 2018 تملك سلطة قانونية منقوصة، بينما ظلت السيطرة الفعلية على أجزاء حاسمة من الدولة والاقتصاد في يد الأجهزة العسكرية.

وعليه، ينبغي إلغاء اتفاق جوبا وعدم اتخاذه أساساً لأي تسوية مقبلة – خاصة أن صلاحيتها القانونية قد إنتهت منذ مدة، كما يجب عدم العودة إلى مبدأ الشراكة الدستورية بين المدنيين والعسكريين الذي منح المؤسسة العسكرية حقاً أصيلاً في السيادة والحكم. فمشاركة القوات المسلحة – بكافة تشكيلاتها النظامية والمليشياوية – في المرحلة الانتقالية ينبغي أن تكون وظيفية لا دستورية: تنحصر في الالتزام بوقف الحرب، وتنفيذ الترتيبات الأمنية وإصلاح القطاع الأمني، وبناء جيش مهني قومي موحد، ونقل الشركات والأنشطة الاقتصادية العسكرية إلى الولاية المدنية الكاملة؛ لا في تقاسم السلطة السيادية مع المدنيين. وتتسق هذه الخلاصة مع الأدبيات الدولية التي تُظهر أن التسويات المحصورة في الفاعلين المسلحين نادراً ما تقود إلى انتقال ديمقراطي مستدام.

السلام أكثر من مجرد غياب الحرب:

الحجة المركزية هي أن السودان يحتاج إلى ما يصفه خبراء بناء السلام بـ”السلام التشاركي”. فلا ينبغي أن يعني السلام مجرد إسكات الأسلحة مؤقتاً، بل ينبغي أن يشمل:

إنهاء العنف المنظم ومنع تجدده؛

استعادة احتكار الدولة الشرعي للقوة؛

تحقيق انفتاح سياسي حقيقي وقيادة مدنية ديمقراطية؛

مشاركة القوى السياسية والمدنية والمجتمعات المحلية المتأثرة بالحرب؛

إعادة بناء مؤسسات عامة فعالة وخاضعة للمساءلة؛

معالجة المظالم وأوجه اللامساواة، ولا سيما ذات الطابع الجهوي والإثني.

ويستلزم ذلك إشراك الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وقيادات الإدارة الأهلية والمنظمات النسائية والشبابية والجمعيات المهنية والمجتمعات المحلية في صياغة عملية سلام وطنية حقيقية منذ بدايتها، لا مجرد دعوتها لاحقاً للمصادقة على اتفاقات تفاوضت عليها النخب المسلحة في أماكن أخرى.

يواجه السودان بيئة استثنائية الصعوبة لبناء السلام:

يدخل السودان أي عملية سلام مقبلة وهو يعاني عوائق بالغة الشدة. فقد دمرت الحرب البنية التحتية والنسيج الاجتماعي معاً، ونزحت الملايين، ودُمرت مدن وقرى، وتعمقت الانقسامات بين مجتمعات كانت تتعايش في السابق، وتصاعدت التعبئة الإثنية والجهوية، وتدهورت الثقة بين مكونات المجتمع الإثنية والجهوية تدهوراً حاداً. وكانت المؤشرات الدولية قد صنفت السودان، حتى قبل اندلاع الحرب، ضمن أضعف بلدان العالم من حيث التماسك الاجتماعي؛ ومن المؤكد أن الحرب فاقمت هذا الضعف بدرجة هائلة.

وبالمثل، تآكلت قدرات الدولة: أُضعفت المؤسسات الحكومية أو دُمرت، وتوقفت الخدمات العامة الأساسية في مساحات واسعة، وتراجعت القدرات الإدارية، وانهارت الحوكمة الاقتصادية. ومن ثم يبدأ السودان بناء السلام في ظل ضعف شديد في ضلعين من “مثلث بناء السلام”، بحسب نموذج مايكل دويل ونيكولاس سامبانيس، أستاذى العلوم السياسية بجامعة ييل الأمريكية: ارتفاع مستوى العداء وانعدام الثقة، وتدني القدرات المؤسسية المحلية. وفي مثل هذه الظروف، كما أبان الباحثان، تصبح القدرة الدولية القوية – الضلع الثالث في المثلث – شرطاً لا غنى عنه لتعويض هذا الضعف ومساعدة السودانيين على تثبيت السلام (سيرد التوثيق الكامل لورقتيهما في نهاية هذا المقال).

التدخل الخارجي الأحادي والوساطة الإقليمية وحدهما لا يكفيان:

تتضح الحاجة إلى إطار أممي محايد عند النظر إلى التدويل المتزايد للحرب. فقد سعت أطراف سودانية مسلحة إلى الحصول على رعاية أجنبية، بينما وسعت دول مجاورة وقوى خارجية تدخلاتها السياسية والمالية والعسكرية. وأسهمت هذه الديناميات في إطالة أمد القتال، وانتشار الجماعات المسلحة، وتعميق التشرذم الإقليمي، وزيادة تعقيد فرص التسوية. وتُظهر الأبحاث أن التدخل الخارجي الأحادي والمتحيز – حين تدعم دولة طرفاً متحارباً عسكرياً أو مالياً أو سياسياً – يغيّر التوازن الاستراتيجي للحرب. فبدلاً من تشجيع التسوية، يخفض تكلفة استمرار القتال، ويمكّن المتحاربين من تجاوزه إلى ما بعد النقطة التي كانت الموارد المحلية عندها ستجبرهم على التفاوض؛ ومن ثم يطيل الحرب، ويزيد الدمار والفقر، ويضاعف خطر تحولها إلى صراع إثني وجهوي طويل الأمد.

وقد اضطلعت مبادرات الاتحاد الأفريقي وإيغاد ومنبر جدة وغيرها بأدوار دبلوماسية مهمة، غير أن تجربة الحرب كشفت حدود الوساطة الإقليمية المنفردة. فكثير من دول الإقليم ليس محايداً تماماً، كما أن تعدد المنابر وتضارب مصالح الرعاة يبددان الضغط الدولي ويتيحان للأطراف المناورة بينها. والأهم أن الوساطة، من دون ولاية تنفيذية وضمانات موثوقة، لا تستطيع تغيير حسابات تحالفين عسكريين يعتقد كل منهما أن مواصلة الحرب قد تحسن موقعه التفاوضي. وحتى إذا أفضت هذه الوساطات إلى اتفاق، يظل خطر أن تتوافق القيادات العسكرية على تقاسم السلطة والثروة والأرض فيما بينها، مع الإبقاء على مواقعها السياسية والاقتصادية المهيمنة. وقد ينهي ذلك القتال المفتوح من دون تغيير المؤسسات التي أنتجت النزاع، فلا يتحقق سوى “سلام سلبي”: غياب مؤقت للحرب من غير تحول مدني ديمقراطي أو سلام اجتماعي مستدام.

وعلى النقيض من التدخلات الأحادية المتحيزة، يخدم التدخل المتعدد الأطراف، في إطار ولاية أممية محايدة ومحددة، غرضاً مختلفاً جذرياً. فهو لا يهدف إلى تمكين طرف من الانتصار، بل إلى توفير ضمانات موثوقة لوقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، والإشراف على تنفيذ اتفاق السلام، وتقليل انعدام الثقة الذي كثيراً ما يُسقط التسويات. لذلك فالسؤال ليس ما إذا كان هناك تدخل خارجي؛ فهو قائم بالفعل. إنما السؤال هو: هل يظل مستقبل السودان رهينة تدخلات أحادية متنافسة تغذي الحرب، أم يُنظَّم الدعم الخارجي في إطار أممي-إقليمي محايد يوقفها ويخضع لمشروع وطني سوداني؟

عملية أممية تحت سقف مشروع وطني للتجدد والسلام المستدام:

وفقاً لإطار دويل وسامبانيس، تكون الحاجة إلى القدرة الدولية أشد عندما يرتفع العداء وتضعف المؤسسات المحلية، كما هي الحال في السودان. ولذلك تحتاج البلاد إلى عملية سلام متعددة الأبعاد تقودها الأمم المتحدة، بالشراكة مع المنظمات الإقليمية ذات العلاقة، وبولاية وموارد كافيتين لا تقتصران على مراقبة وقف إطلاق النار. وينبغي أن تشمل مهام العملية الأممية:

إنفاذ ترتيبات وقف إطلاق النار ومراقبتها وحماية المدنيين؛

ضمان وصول المساعدات الإنسانية وتهيئة العودة الآمنة للنازحين واللاجئين؛

دعم نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وإصلاح القطاع الأمني؛

المساعدة في بناء جيش مهني قومي موحد وخاضع للسلطة المدنية؛

إعادة بناء المؤسسات المدنية وتعزيز القدرات الإدارية وسيادة القانون؛

دعم العدالة الانتقالية والمصالحة المجتمعية والانتقال المدني الديمقراطي.

غير أن العملية الأممية لا ينبغي أن تكون بديلاً عن الإرادة الوطنية أو وصاية عليها، بل يجب أن تعمل تحت سقف مشروع وطني جامع يتوافق عليه أهل السودان وتقوده القوى المدنية الديمقراطية والمجتمعية. ويسترشد هذا المشروع بعقد اجتماعي متين ذي شقين متكاملين: شق سياسي يؤسس للسلام، والحكم المدني الديمقراطي، والمواطنة المتساوية، وسيادة القانون؛ وشق اقتصادي يقوم على إعادة الإعمار، والعدالة الاجتماعية، والتنمية الإقليمية المتوازنة، والتوزيع المنصف للموارد والفرص.

وتُظهر التجربة الدولية أن بعثات الأمم المتحدة تكون فعالة في تنفيذ اتفاقات السلام، وخفض خطر الانتكاس إلى العنف، ودعم السلام التشاركي والديمقراطية خلال وجودها؛ غير أن أثرها قد يتراجع بعد انتهاء مهمتها ما لم تستند إلى مؤسسات وطنية شرعية واقتصاد قادر على توليد نمو مستدام. ومن هنا يجب ألا تُفصل عملية حفظ السلام عن مشروع التجدد الوطني والتحول الاقتصادي.

فالنمو الاقتصادي التحويلي ليس مجرد عائد لاحق للسلام، بل أحد روافعه الأساسية: فهو يعزز التماسك الوطني، ويخلق مصالح وفرصاً تتجاوز الانقسامات الإثنية والجهوية، ويوسع الطبقة الوسطى، ويدعم المساءلة الديمقراطية، ويمنح الدولة شرعية قائمة على الأداء والخدمات بدلاً من الإكراه. وبالنسبة للسودان، يقتضي ذلك دمج العملية الأممية في استراتيجية وطنية شاملة لإعادة الإعمار والإصلاح المؤسسي، وإدارة الاقتصاد الكلي بكفاءة، والتحول الزراعي، وتطوير البنية التحتية، وتحقيق نمو عريض القاعدة ومنصف جهوياً.

من الحرب بالوكالة إلى التجدد الوطني:

يقف السودان عند مفترق طرق تاريخي. يقود المسار الأول إلى صفقة جديدة بين النخب المسلحة، مدعومة برعاة أجانب متنافسين، تعيد تدوير المحاصصة وتُبقي الهيمنة العسكرية التي قوضت مراراً التحولات الديمقراطية. أما المسار الثاني فيستبدل الحرب بالوكالة بعملية سلام أممية-إقليمية محايدة، تعمل تحت سقف مشروع وطني سوداني، وتُعيد المؤسسات العسكرية إلى دورها المهني، وتسترد فيها القوى المدنية القيادة السياسية، وتصبح إعادة الإعمار والتحول الاقتصادي أساساً لعقد اجتماعي جديد. ومن خلال ضماناتها المحايدة، تستطيع العملية الأممية حماية الملكية السودانية للسلام وتهيئة الانتقال من شرعية السلاح إلى الشرعية الديمقراطية.

ومن هذا المنطلق، أؤيد موقف القوى المدنية الديمقراطية الرافض لإملاء عملية سياسية مصممة من الخارج، أو لفتح الباب أمام إعادة تدوير نظام الإنقاذ وواجهات الحرب والانقلاب؛ فملكية السودانيين لعملية السلام، وحياد الجهة الراعية، وتمثيل القوى المدنية والمجتمعات المتضررة، شروط لا غنى عنها لشرعية أي تسوية واستدامتها. غير أنني أدعو التحالفين، وسائر قوى الثورة والقوى المدنية الديمقراطية، إلى تطوير هذا الموقف والانتقال من مجرد رفض مسار معيب إلى تبنّي بديل وطني موجب وواضح: المطالبة العلنية بقيام عملية أممية محايدة متعددة الأبعاد، تقودها الأمم المتحدة بولاية واضحة وموارد كافية، وتنسق مع الاتحاد الأفريقي وإيغاد والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية من دون أن ترتهن لانحيازات أي منها. وينبغي أن تعمل هذه العملية تحت سقف مشروع وطني سوداني وازن، تتوافق عليه القوى المدنية والمجتمعية، ويحدد أهداف وقف الحرب، وحماية المدنيين، وإصلاح القطاع الأمني، واستعادة الدولة، والانتقال المدني الديمقراطي، والعدالة الانتقالية، وإعادة الإعمار والتنمية المتوازنة. فهذا هو البديل القادر على تحويل الاعتراض المشروع على هندسة الخارج للعملية السياسية إلى مبادرة وطنية تقود السلام، بدلاً من الاكتفاء برد الفعل تجاه مسارات الآخرين.

لقد استنفد السودان اتفاقات تقاسم السلطة بين حملة السلاح وأتباع المؤتمر الوطنى وأشياعهم من سدنة “الشمولية الوظيفية”، كما أثبت اتفاق جوبا أن الشراكة الدستورية بين المدنيين والعسكريين لا تُفضي إلى الانتقال الديمقراطي، بل قد تتحول إلى منصة للثورة المضادة والانقلاب. ولذلك لا يحتاج السودان إلى اتفاق آخر يعيد توزيع السلطة بين قادة الجيوش والميليشيات والمؤتمر الوطنى والحركة “الإسلاموية”، وإنما إلى سلام تشاركي يحكمه مشروع وطني مدني، ويسنده إطار أممي محايد، ويمكّن المواطنين السودانيين – لا الفصائل المسلحة ولا رعاتها الخارجيين – من تقرير مستقبل بلدهم وبناء دولته من جديد.

المراجع:

Doyle, Michael W. and Nicholas Sambanis. 2000. “International Peacebuilding: A Theoretical and Quantitative Analysis.” American Political Science Review, 94 (4): 779-801.

Elbadawi, Ibrahim and Federico Fiuratti. (2024). “Sudan’s Future between Catastrophic Conflict and Peaceful Renaissance Growth Trajectories: Long-term Growth Model Simulations,” ERF Working Paper No. 1708, Economic Research Forum, Cairo, Egypt: June.